الحلقة الأولى : زيارتي إلى شقراء و أشيقر حيث عبق الماضي العريق و نهضة الحاضر الزاهر

زيارتي إلى شقراء و أشيقر حيث عبق الماضي العريق و نهضة الحاضر الزاهر

مقدمة :

قد يكون حديث صديقي الدائم عن بلدته ” أشيقر ” هي من دفعني و بقوة لزيارة تلك المدينة , و غرس في نفسي حب الفضول و التطلع لمعالم تلك الأرض . فقد كان حديثه حديث عاشق , و كلماته كلمات مهيم . فكان أمر الزيارة قد تقرر منذ زمن . و جاء أمر آخر جعلني أتتوق لهذه الزيارة فزاد الشوق و الرغبة بالنزول إلى تلك الجنة , فقد قُدمت لي دعوة الزيارة من أحد الأعضاء الأعزاء من منتدى ” زاد المسافر السياحي ” فكان الأمر الذي لا مفر …فإليكم الزيارة بتفاصيلها …

البداية : 

قد تكون مدينتي شقراء و أشيقر قد نالتا حظهما  من زينة الحياة الدنيا , و زهرة الآخرة , و ذلك لِما برز منهما من رجال كثر في مجال العلم و العمل , فقد زخرتا بالعلماء حتى سميت ببلاد العلماء , و اشتهرت برجال الأعمال حتى ذاع صيتهم في أطراف الأرض .

و لقد كنت بزيارة لتك المنطقة في الأيام الماضية , و حظيت بجولة في ربوعهما . فسرني ما وجدت فيهما من حاضر مزدهر و ماض عريق .

  إن المتأمل لأزقة البلدة القديمة لتلك المنطقة يلحظ تاريخهما التليد , فعلى إطراف شقرا القديمة يوجد سور طيني يحيط بها من جميع جوانبها , و هذا السور يتخلله قلاع عدة بأماكن متفرقة . و يلحظ الرائي أن أودية , و شعاب المناطق المحيطة تعبر من تحت أسوارها لتغذي أهلها . و من يدقق النظر في تلك المساكن الطينية المهجورة يعلم يقيناً أن الكثير من أهلها كانوا برغد من العيش , و أن الله قد حباهم من الخيرات الشيء الكثير.فالله الحمد من قبل و من بعد .

 فالبيوت الطينية قد أقيمت بشكل رائع , و بأدوار متعددة , و زخرفت بزخارف جميلة , و صممت بنوافذ واسعة و أبواب كبيرة .

 

و من زار شقراء يجد أنها تختلف بطراز مبانيها عن جارتها أشيقر , و لكن يجمعهما الفخامة و حسن التصميم . و الجمال و الكمال .

من سار في طرقات تلكم البلدتين يجد من الحسن الشيء الكثير , و يجد من النظافة ما يلفت النظر . فالطرقات فسيحة و المباني على أطرافها مصطفة و جميلة .

شقراء و أشيقر هما من محافظات منطقة الوشم , و المسافة بينهما عدة كيلومترات , و هما يسكنان في ظل ذلك المرتفع , و أن من يصعد المرتفع تظهر له المدينتين بكاملهما , فذلك المرتفع قد يكون مَطَلٌ مناسب لمن أراد أن يشاهد المدينتين بشكل كامل رائع . فتظهر النخيل و المزارع و المباني القديمة و الحديثة و تشقها الطرقات المضيئة .

مدينة شقراء :

دخلت مدينة شقراء ضحاً و أهلها نائمون , فالمدينة لازالت تغط في سبات عميق , و الطرقات خالية من المارة , و الأحياء هادئة إلا من بعض أهلها . 

 أخذت جولة في المدينة الحديثة , و رأيت كيف استطاعت أن تواكب هذه المدينة النهضة التي تشهدها هذه البلاد العزيزة. و إن كان هناك منظر يشد النظر و بوضوح يظهر . فهي النظافة العامة لكل أحياء و طرقات المدينة , فلن تستطيع و مهما حاولت أن  تجد ورقة شجر تذروها الرياح . أو مكان غُفل عنه و لم ينظف  . أو حفريات منسية منذ مدة زمنية . و هذه مزية تتميز بها شقراء و كذلك جارتها أشيقر . و لو أنني  زرتها في موسم الأمطار لقلت أن السماء قد غسلتها في ذلك المساء .

 كان الأمر الذي يهمني من هذه الزيارة أن أطلع على البلدة القديمة و ما حولها , و أن أسبر أغوار مبانيها .

 اتجهت إلى الجزء البعيد من مدينة شقراء . مررت من على جسر يربط المدينة الجديدة و البلدة القديمة. و يظهر للمار أن أسفل هذا الجسر قد أعتاد أن يزدان بالأمطار بموسم الشتاء . و على جانب هذا الجسر يمتد سور يلف المدينة بالكامل كما يلف السوار المعصم . و على هذا السور نصبت قلاع عدة أو مراقب بتسمية أخرى مختلفة. هذه السور كان يصد الأعداء في الزمن القديم , و يحفظ أمن البلدة من الغائرين .

 و أعتقد أن نظام البلد مماثل للبلدان القديمة في أرض نجد . فلا يُدخل الزائر البلد إلى عن طريق البوابة الرئيسية , و هذه البوابة تغلق مع مغيب الشمس , و تفتح أبوابها مع شروقها . فكان الرحالة , و المارة , و التجار القادمون ليلاً يقفون عند سورها و أبوابها حتى تفيق القرية من نومها و تفتح أبوابها , إلا من كان له أمر دخول . فهذا له حكم خاص .

 أما المرقاب المنتشر على الأطراف فشأنها مراقبة القادم و المغادر , و أما في أوقات الحرب فشأنها غير , فهي مكان ملائم  لرصد الأعداء المتربصين بالبلد , و مكان لأصابتهم قبل و صولهم لسور البلد .

 من رأى البلد و سورها يعلم أن البلد كانت معقلاً للتجار , و أنها تزخر بأنواع عدة من التجارة , و أن للسور دلالة على  أهميتها بالغة بين مدن تلك المنطقة , و ما ذالك بغريب فموقعها بوسط نجد و طريق الغادي و الرائح إلى الرياض و الكويت و الحجاز و القصيم قد أكسبها أهمية مضاعفة .

 

 

 في البلدة القديمة تحضر و بقوة صورة مؤلمة فقد  دَكَت الحضارة الحديثة الكثير من بناياتها , فغدت قاعاً صفصفاً لا ترى فيها إلا عوجاً من البقايا . من يرى البلدة يشعر بالحزن , و الضيق , و الأسى . كيف تهدم حضارة ؟! و كيف نفقد مثل هذا الموروث الرائع ؟!..

 

لقد استبدلت أماكن التجار في القرية القديمة فصارت خراباً ,  و حولت محلاً للعمال في أحسن الأحوال .

و بقي بيتاً واحداً يصارع التغيير , و يقاوم هجمة الحضارة الشرسة , هذا البيت هو بيت السبيعي فقد دخل إلى دائرة التراث بالمملكة .

 من رأى بيت السبيعي , و بيوت عدة من البيوت في تلك المدينة , يلحظ أن أهل البلد قد سكنوا ببيوت ذات أدوار متعددة , و قد تصل للدورين أو الثلاثة .

 و تزين تلك البيوت نوافذ كبيرة , و إما أن تكون تلك البيوت متلاصقة أو تحيط بها أسوار فتجعلها مستقلة , و تحيط بكل مجموعة من البيوت طرقات إما صغيرة متعرجة أو ممتدة واسعة .

 عندما تقلب نظرك في أطراف البيت و ما جاوره تجد أن البيوت قد صممت بوجود ردهات مطلة إما على الدور الأولى أو على شوارع المدينة . وفي بلدتنا ” بلدة الكاتب ” القديمة لم نصل لهذا المستوى من فن العمارة , فقد كان أغلب إن لم يكن كل البنايات هي عبارة عن دور واحد 

. و أما الصالات ” الليوان ”  فلم يكن موجوداً في الأدوار الأخرى فقط إنما هو بالدور الأولى . حيث يمتد و تفتح عليه الغرف و يكون مسقوفاً بجذوع الأثل , و قد غطيت الجدر إلى أنصافها بالجبس . و ذلك لتزيينه ولتحفظه . و قد نقش في أعالي البيوت نقوش مختلفة تدل على ذوق أهل تلك البلدة .

مدينة أشيقر :

خرجت من مدينة شقراء إلى مدينة أشيقر القريبة منها . و لم تقل تلك البلدة الجميلة عن حال أختها .

 فمن يزرها يعلم أنها بلدة طيبة و يداخله بشعور غريب و هو حب يتغلغل بالقلب و كأنه حب فطرة .

 أخذت الطريق الذي يطوق المدينة من جميع اتجاهاتها . حتى وصلت إلى مبنى قد شيد في وسط البلدة القديمة . هذا المبنى قد تبرع به أهل أشيقر لإقامة متحفٍ للتراث  . قابلنا بعض القائمين على المتحف بالسلام و الابتسامة و بالتهلية و الترحاب .

 و عندما دخلنا إلى وسط ذلك المبنى كان الماء يقطر من فم السقاء , فلم ندم طويلاً حتى قُدم الماء البارد من ذلك السقاء .

 فلم نطق صبراً …فأخذنا جولة بين أجزاء ذلك المتحف . و تفرجنا على أركانه و محتوياته . فانتقلنا للصالة الخاصة باستقبال الزوار , و هي مجهزة بكل أمر يسر الزائر, فهي تحتوي على صور للبلدة و بعض تراث أهلها .

 و قد فرشت بفرشات تراثية فاخرة , وصفت مساند و متكآت من أول المجلس حتى آخره  , و يزين آخر ذلك المجلس ” قهيوة ” أو مشب بعرف البعض .

 حيث صفت الدلال بألوانها البراقة و الأباريق بلونيها المختلفة , و زين الكمر بكل لون من ألوان التراث .

 أما المتحف الداخلي ففيه بعض أدوات الأولين من وسائل الطبخ و حفظ الأطعمة .

 

 و هذا المتحف لازال في لبناته الأولى . و لكن رغم ذلك فهو جميل بكل ماتعنيه الكلمة , و يكفي أن سخر أهل البلد أنفسهم لخدمت زائريهم و محب بلدتهم .

 

 

من خلف ذلك المبنى توجد البلدة القديمة الطينية و التي رممت بشكل رائع جميل .

 حيث توجد البيوت الطينية المتراصة , و يفصل بينها طرق مسقوفة . تحمي أهل البلدة من زخات المطر و البرد في الشتاء و من حر الشمس بالصيف .

 مما يزين تلك البلدة أن بيوتها متجاورة , أو متقابلة . فكل البيوت تحس و كأنها بيت رجل واحد , فتحس بالحميمية , و قوة الترابط بينهم , و التلاحم الذي يجمعهم .

 و من يقف بأول الطريق يجد أن الطريق يضيف في نظره حتى يغدو كثقب إبره , أو أن الطريق يتعرج و يلتوي ليمر على بيوت أناس عدة .

 هناك في تلك الممرات ورغم أن الزيارة في نهاية الصيف . لكن الممرات الطينية المسقوفة تجعل المرء يعيش بجو منعش من النسمات الباردة .

بدات الزيارة من جانب محل القصاب ” الملحمة ” و رأينا المكان الذي يذبح فيه ذبيحته , و ثم يعلقها من أجل سلخها .ِ ورأينا مكان دبغ جلدها .

ثم عرجنا على السواني , و رأينا كيف كانت السواني تعمل من اجل جلب الماء من البئر ” قليب ” البلد .

 و في زاوية قريبة ….تم وضع ممرات للأمطار , هي سبيله عندما يمر على البلدة . فقد رسم على الأرض رسمة الولهة و الخير و الحياة, و حفرت الأمطار طريقها عبر مجرى صغير ينفذ عبر فتحة صغيرة في طرف سور البلدة . فهو يمتلئ في وقت الشتاء فيزور القرية عبر طرقاتها فينعم به أهل تلك البلدة .

في مكان آخر شيد مسجد رائع بين بيوت البلد و هو لعلم من الأعلام فهو بيت جد الأمام الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله جميعاً .

و هذا المسجد ظهر بشكل رائع بعد التجديد . و من جلس في المحراب , أو جلس بين السواري , أو نظر إلى السقف , فإن شريط الحياة يرجع بك إلى الوراء , و كيف كان حال السلف , و العلماء في ذلك البلد

 بل و كيف كان حال العباد في هذا المسجد . فتسب في بحر من الذكريات . فكم من عابد كان لله ساجد , و كم عابد بلل ذلك الثرى , و كم قائم رفع يديه إلى السماء , و كم من مصلي صلى من الليل أكثره حتى تفطرت قدماه .

  نفوس لها همم عالية تقربت لله مع ظهورالنجوم فارتفعوا فوق النجوم .

 سموا بأنفسهم فعانقوا السماء .

أشعلوا سرجهم لرؤية مواضع سجودهم , فأنارت وجوههم  من حولهم .

 أضلمت الدنيا من حولهم , فأنارت قلوبهم مابين أيديهم و ماخلفهم .

 

لله درهم ستشهد لهم جدر و سواري ذلك المسجد .

و لله درهم من رجال ستشهد لهم حبيبات رمل ذلك المسجد .

و لله درهم من رجال ستشهد على قيامهم نجوم قد أطلت عليهم من نوافذ ذلك المسجد . عندما تُخرج من المسجد يملء قلبك شعور بالراحة و نفس تفيض بالصفا…خرجت من بين سواري المسجد و بقي قلبي هناك ….

 

خرجت فأبتلعتني طرقات المدينة لأشهد هناك مظهراً من حضارة قديمة …فألقاكم في الحلقة الأخيرة بإذن الله تعالى .

تحياتي لكم
نسيم نجد
www.naseemnajd.com

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

وادي الرمة مرة أخرى

صور عن مسير وادي الرمة و الذي سار من المدينة المنورة حتى وصل إلى وسط القصيم

9 تعليقات

  1. اولا اشكر على من قام بتصوير هذه المناظر القديمه والبيوت القديمه
    وانا معجب بها لاني قد زرتها من قبل خمس سنوات وماصارت زي ها الشكل 0 واقول الله يوفق من قام بعمل هذه ونبغا الكثير والكثير
    ودمتم على غير 000

  2. أبو ريان

    كان للصور وقع أكبر من وقع الكلمات .
    لأن مصورها شاعر عدسة، ومحترف كلمة ،

  3. 2 ردود
    الجارح يقول :
    نوفمبر 15th, 2007في10:31 pm e
    اولا اشكر على من قام بتصوير هذه المناظر القديمه والبيوت القديمه
    وانا معجب بها لاني قد زرتها من قبل خمس سنوات وماصارت زي ها الشكل 0 واقول الله يوفق من قام بعمل هذه ونبغا الكثير والكثير
    ودمتم على غير 000

    حياك الله أخي الكريم
    نعم نقدم الشكر و التقدير لكل من قام بالحفاظ على تراثنا , و كل من أهتم ببناء آبائنا , و كل من ساهم بإبراز تلك الجوانب النبرة من تاريخنا , تاريخ الآباء و الأجداد .
    الشكر لك أخي الكريم

  4. أبو ريان يقول :
    نوفمبر 17th, 2007في11:06 pm e
    كان للصور وقع أكبر من وقع الكلمات .
    لأن مصورها شاعر عدسة، ومحترف كلمة ،

    أخي الفاضل : ابو ريان
    قد يصور الإنسان منظراً و يخفى عليه الكثير من جماله , و يكتشفه من ينظر إليه من اصحاب الحس الرفيع و الذوق العالي , و النظرة الفنية الراقية .
    لذا فقد رأيت أنت مالم يره كاتبه …
    تحياتي لك و الشكر لجميل كلماتك , التي نحن أقل منها …

  5. مجهود جبار وعمل تشكر عليه .

    نستأنك في نشرها لدينا في النداوي وسوف يتم تحميل الصور على موقعنا مع ابقاء حقوق نسيام نجد محفوظه واذا لديك المزيد من الصور لتراثية امل مراسلتي

    حمد السحيمي

  6. محمد السيف..

    بيض الله وجهك وتقبل الله دعائك
    انا من اهل أشيقر
    جزى الله من تبرع بفلوسه خير الجزاء لكي تظهر اشيقر بهذا الشكل الرائع

  7. العدوان الوهبي التميمي

    بارك الله فيك جهد رائع موفق ان شاء الله وأشيقر تستحق الكثير ومن منا لا يعشق هذه المدينه

  8. كااشت على كورنيش القصييم ^_^ ..

    الله الله ..

    صور رائعه من مصوور مبدع ..

    تشكراات اخوي ..

    دمت مبدعاا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *