الولد التائه

الولد التائه

لن يكون الحديث عن دايف بليز مؤلف كتاب “الولد التائه” و الذي قضى عمره تحت اضطهاد أمه المريضة نفسياً, و صمت أبيه المستسلم لتلك الواقعة الأليمة, و تحت أعين أخوته الصغار الذين ينظرون إليه باحتقار, فأضطر للسكن في دور الرعاية و المصحات. و لم تقف أمه من المطالبة به في المحاكم لكي تعيده إلى عالم البؤس و التعذيب, لقد كتب دايف قصة حياته بألم و كانت النهاية المؤلمة أنه لم يوضح السبب الذي جعل أمه تقوم بتلك الأعمال السيئة.

الولد التائه من مجتمعنا و يعيش بيننا, فهو شاب يقضي ليله كل في الشبكة العنكبوتبه من أجل أن يجد عروض عمل تناسب شهاداته . فينتظر الصبح بشوق من أجل أن يبلغ مراده, فعندما يحس بانفراج, يخرج من بيته مسابقاً بزوغ الشمس, ممسكاً بيده رفيق دربه , وصديقه المفضل ملف (علاقي أخضر) , حيث يقضي هذا الولد النهار كله بالمرور على الفرص المتاحة للعمل والتي قرأ عنها في المساء, وفي زحمة الطريق إلى العمل و في مخارج تلك المدينة المزدحمة يولد الأمل لهذا الشاب, و يحدث نفسه ماذا أقول,  وماذا أرد في مقابلة المسئول, و لا يقطع حبل أفكاره إلا أصوات منبهات السيارات التي تسب و تشتم هذا التائه الغافل عن الطريق.

الولد التائه هو شاب يدخل الشركات الخاصة,  و يقدم ملفٍ قد انتظمت فيه أوراق السجل الأكاديمي بشكل يجعل الرائي يعتقد أن الأوراق قد عرفت مكانها و ترتيبها من نفسها, يقف الولد قبل أن يدخل إلى مسئول التوظيف الوافد من أجل أن يتفقد ملابسه و شماغه وعقاله,  و كأنه يريد أن يثبت لمن حوله أنه سعودي و ليس بحاجة إلى طلب الرحمة , فهو أبن البلد وليس بحاجة إلى أي أحد. يقدم الولد التائه أوراقه بأدب إلى ذلك المسئول,  و الذي لم يكلف نفسه ليرفع رأسه ليرد التحية,  ينطق المسئول بجمله قد حفظها أب عن جد فيقول : سوف نتصل عليك عندما نعمل المفاضلة.

مل الولد التائه الصحف الإلكترونية و أراد أن ينوع بالصحف الورقية, فملمس الصحف يجعل المرء يتلذذ بالقراءة و يعيش الحياة الاجتماعية والفكرية, و لكن غلبت على أول صفحة من تلك الصحيفة خبر مرفق معه صورة بكامل عرض الصحيفة, إذ في محتواه “القبض على خلايا إرهابية”. فكانت فرحة الولد التائه كاملة أن سدد الله حكام هذه البلاد أن يهدموا رؤوس الشر و الفساد, و أن يزلزلوا بيوت الخراب, و أن يقوضوا بنيان الفساد, ممن يرجون لأهل هذه البلاد السوء و يضمرون الشر باسم الخير, و يكنون الحقد بأسم الدين. الولد التائه مع فرحه بهذه الخطوة المسددة و بالقبض على هؤلاء الإرهابيون فأنه يفكر من الذي أثر بهم, و من الذي غرر بهم حتى أوصلهم إلى هذه المرحلة, و يتساءل أين طيبتنا التي يشهد عليها القاصي والداني, و أين ديننا العميق الذي يفرق بين الحق والباطل, و أين تربتنا و مجتمعنا المحافظ لماذا لم يحفظ عقولنا من مثل هذه اللوثة الفكرية؟! أين الصحافة كل تلك السنين من التوجيه السليم؟! أين الأعلام بشكل كامل من تنمية الانتماء و حب هذه البلد الطاهرة؟! أين العلماء و المفكرين؟! أين المجتمع بأسره,؟! فهل كان هؤلاء المقبوض عليهم يعملون في الخفاء, وإن كانوا كذلك هل من المعقول أن الممانعة العقلية و ضعف الدين في قلوب أبنائنا لم يكن قادراً على صد مثل هذه الأفكار؟! أيضاً أين المناشط المناسبة والتي تصرف فيها طاقات الشباب و قوتهم؟! بل أين أقيمة الدراسات التي تدرس الحالة من جذورها و بمشاركة أطراف عدة؟! . أسئلة لها أول وليس لها آخر, و لها بداية و لكن نهايتها تنهيدة تخرج من القلب على من ضل الطريق و سار في طريق لا يرضي رب السماء و الأرض.

يغلق الولد التائه تلك الصحيفة و هو يمقت طرحها فيبحث عن صحيفة أخرى تكون مناسبة, فيجد كاتب قد جمع حرفه و حجز لنفسه زاوية في صفحة مناسبة, فأخذ يسب المشائخ و العلماء و يقلل من قدرهم و يحط من قيمتهم
يغلق الولد التائه تلك الصحيفة و هو يمقت طرحها فيبحث عن صحيفة أخرى تكون مناسبة, فيجد كاتب قد جمع حرفه و حجز لنفسه زاوية في صفحة مناسبة, فأخذ يسب المشائخ و العلماء و يقلل من قدرهم و يحط من قيمتهم و لم يكتفي بذلك بل ذهب إلى العلماء من الأئمة من علماء الأمة فأخذ بتفنيد أقوالهم و تكذيب مؤلفاتهم, و كل همه أن يوجد الشك في قلوب المتلقين أو يزرع الفتنة في قلب الأمة, فيزعزع الثقة في الأعلام . و يفكر الولد التائه بهذا الكاتب و يتعجب لماذا يسخر قلمه لخدمة هذا البلد الطيب؟! و لماذا لم تسخر تلك الصحيفة تلك الزاوية لأن تكون منبراً لزيادة الألفة بين أبناء البلد أو تعديل المعوج من أمور الحياة اليومية ؟! و لماذا يكون الدين هو الهدف؟! و يختم تساؤلاته لماذا كل هذا الهجوم على أهل الخير و الصلاح و هل هناك من أهداف خفية؟! يغلق الصحيفة و يعيش في همومه اليومية فهو ليس بحاجة إلى أن يخترع أسئلة تزيد من جراحه و تراكم من همومه.
و لم يكتفي بذلك بل ذهب إلى العلماء من الأئمة من علماء الأمة فأخذ بتفنيد أقوالهم و تكذيب مؤلفاتهم, و كل همه أن يوجد الشك في قلوب المتلقين أو يزرع الفتنة في قلب الأمة, فيزعزع الثقة في الأعلام . و يفكر الولد التائه بهذا الكاتب و يتعجب لماذا لم يسخر قلمه لخدمة هذا البلد الطيب؟! و لماذا لم تسخر تلك الصحيفة تلك الزاوية لأن تكون منبراً لزيادة الألفة بين أبناء البلد أو تعديل المعوج من أمور الحياة اليومية ؟! و لماذا يكون الدين هو الهدف؟! و يختم تساؤلاته لماذا كل هذا الهجوم على أهل الخير و الصلاح و هل هناك من أهداف خفية؟! يغلق الصحيفة و يعيش في همومه اليومية فهو ليس بحاجة إلى أن يخترع أسئلة تزيد من جراحه و تراكم من همومه.

الفراغ يدفع الولد التائه أن يتصفح صحيفة أخرى فيجد الكاتب القدير في الزاوية الشهيرة قد أخرج قلمه من غمده,  و أستعد للحرب و المطالبة بحقوق المرأة الوظيفية و مساواتها بالرجال في كل مجال, فالكاتب يستدل بتجربة دول كثيرة غربية استطاعت أن تصل إلى الفضاء يوم أن وظفت النساء,  و استطاعت أن تحارب بطالة الرجال بإشعال نار الغيرة بينهم وبين الشقائق,  فهب الرجال عن بكرة أبيهم للعمل من أجل المنافسة , أحس الولد التائه أن الخطر محدق إن توظفت النساء و جلس هو في البيت,  فركض مرة أخرى في كل ميدان من أجل أن يسبق النسوان إلى لقمة العيش قبل أن يظفرن بها , فالمرأة إن ظفرت بها فليس همهن الأول من تعول في بيتها؟!.. بل الهم الأول كيف تنفقه في زينتها؟! أو كيف تقسمه بين الخدم الذي تحت كفالتها؟! و همها الأول كيف تظهر في حفلة العمل بأبهى حله وأن تكون أجمل الموظفات في دائرتها؟!

عاد الولد التائه إلى بيته بعد أن لبث في طريق العودة الساعات الطوال, فالزحام على أشده و الحر أشد, و عوادم السيارات تنفث سمومها على المدينة, و تكون قبة هلامية غبارية دخانية في السماء, مكيف السيارة استسلم للوضع و بات في سبات عميق, و جوه الناس من حوله في الطرقات تنفخ و تتأفف, عيون السائقين تحتوي نظرات غضب على الجميع و بدون سبب. وصل الولد التائه إلى بيته فوضع تكيف الغرفة على أعلى درجه و لعل من سوء حظه أن التلفاز كان مفتوحاً و على برنامج حواري جدلي يزيد الطين بله, فأصوات حوارهم و صراخهم و علوها يشير في نفسه الاشمئزاز و القيام بجلب “الريموت كنترول ” أو إغلاق الرائي يحتاج مجهود أضافي قد فقده في الطريق إلى البيت, فأضطر مجبراً أن يستمع إليهم, كانت المحاورة شديدة, و المتحدث متحمس لرأيه , واستوقفت الولد التائه كلمة منه حيث سمعه يقول: أن المرأة يجب أن تقود السيارة, و يجب أن تعتمد على نفسها فتذهب و تأتي و تتجول و تتسوق و تغيب و تحضر كما يعمل الرجل بالضبط فالميادين متسعة و المجتمع بحاجة إلى النصف الآخر المعطل, و المجتمع بهذه الحالة هو كسيح يحتاج إلى علاج, و هو مريض يحتاج إلى وصفة طبية, و بدأ يلت و يعجن في هذه الأسطوانة (المشروخه) المسبقة الصنع .الولد التائه مل هذا الحديث المكرر , فكانت لديه طريقة مناسبة لجلب الهدوء للغرفة مرة أخرى, فقط مد أصابع رجله حيث تمر بجانبها توصيلة الرائي الكهربائية فأسكت الصوت للأبد. و أخذ يفكر هل يريدون أن تخرج المرأة إلى تلك الزحام, هل يريدونها أن تعود إلى بيتها و قد بلغ التعب منها مبلغه, هل يريدون أن تقوم هي بتلك الأعمال من التسوق, و جلب الحاجيات للبيت, و الذهاب بالأطفال للمستشفيات, و توصيل الطلاب منهم و الطالبات و أن تزاحم الرجال في كل مكان, و يكون السيد الزوج المكرم (يتسدح) في قصره أو ينعم بلعبة ( الكنكان) في استراحته مع صحبه, أو مسترخي في مقهى و قد مد له (ليَّه) و من حوله يمدونه بالجمر و (المعسل), أي هراء يريدون و أي علاج يصفون.

الولد التائه استسلم للنوم في مكانه, و بدأت الأحلام تغازله, فالمنام منازل الأحلام الجميلة لأمثاله, فأسوء حلم سوف يكون أجمل و بمراحل من أفضل واقع يعيشه, رأى في المنام أن هناك فتاة تناديه من بعيد, هذه الفتاة قد أوتيت الحسن والجمال, و أفضل من ذلك أن بين يديها الكثير من الأموال, و هي تطلب منه زواج المسيار, بحيث أن يكون لها زوجاً مسيارياً يدخل بوقت معلوم ويخرج من بيت أهلها بوقت معلوم, و لا يطالبها بأن تذهب معه في بيت مستقل, أو تطبخ أو تنفخ أو تغسل أو تنشر, بل يكون الولد التائه تحت نظرات أبيها وأخوتها, يتفحصونه حين القدوم و حين الخروج. في المقابل ليس عليه من تكلفة الزواج من شيء بل له زيادة على ذلك سيارة و مصاريف تغطي الحاجة, استلذ بالحلم الولد و وافق في الحلم أحلى عيشه, و لما استيقظ ذهب ليبحث عن تأويل رؤياه على أرض الواقع, فبدأ البحث عن زوجة (مسيارية) يزورها كل ليلة قمرية ليعيش عيشة هنية.

الولد التائه حز في نفسه أن تصرف عليه زوجته في كل صغيرة و كبيرة, حتى قيمة العقال و الشماغ و السبحة و التي تدل على علامات الرجولة في مجتمعة يجدها في خزينة ملابسه بعد أن اشترتها زوجته له, فأصبح كالطفل المدلل يعيش في كنف تلك الزوجة الموظفة, وبالرغم أن هذه العيشة الجديدة قد أحدثت نقلة نوعية في حياة الولد التائه, و لكنها أحدثت نقله عكسية في نفسيته, فلا يزال يحس أنه بوضع غير طبيعي, فليس من المعقول أن يتخلى عن جميع مراجله و يعيش تحت جلباب امرأة.

طرأت فكرة في ذهن الولد التائه بعد أن أودع الأمل بالوظيفة مقبرة الحياة, و الفكرة أن يعمل سائق ليموزين بحيث يبيع سيارته القديمة المتهالكة و يستلف من زوجته الموظفة بقية قيمة السيارة على أن يكون الدخل جزءاً أول منه لسداد قيمة السيارة و بالتقسيط على الزوجة , و بالجزء الثاني يكون تسديد مهر الزواج و الذي تكفلت به  الزوجة بعد أن رفض عرضها المغري بأنها لا تحتاج إلى مهر, و المتبقي ( إن تبقى شيء) يكون مصروفاً عليه وعلى آل بيته عليهم  شأبيب الرحمة. ترجمت الفكرة إلى واقع و بدأ العمل, فليس أجمل من فكرة جميلة أن تجعلها حياة تعيشها و تعيش من أجل تحقيقها.

وقف الولد أمام المرآة و ضبط العقال والشماغ و أحسن الهندام, و ركب سيارته اليموزين ليبدأ رحلة الحياة و رحلة العمل الأولى, يسير في الطرقات وأعينه على الأرصفة فهو ينتظر أي حركة من أي شخص يسير على قدميه, حتى لو أراد أن يرفع المار شماغه لأولها بأنه يريد من يوصله في مشواره, و بدأ يعرف الطرقات إلى الأسواق حيث النساء يحتجن إلى سائق الليموزين و بكثرة, كانت تؤشر له النساء و عندما يهممن بالركوب و يرين أنه رجل بشماغ, ينطقن بكلمة فيقلن:”واخزياه سعودي” ثم يهربن إلى غير رجعه, تكرر الموقف أكثر من مره وبدأ وقود السيارة يغلب على قيمة الدخل اليومي, و بدأت الأيام تنصرم و لم يحقق العائد المرجو.

قام الولد التائه بدراسة لوضعه فعلم أن السبب, فذهب إلى الحلاق, فطلب منه أن يشذب كل أثر من شنباته و أن يزيل كل شعرة قد سكنت في خديه وذقنه, بعدما انتهى من الحلاقة نظر إلى نفسه في المرآة فإذا الوجه(زلط ملط) من لحمة الأذن الأولى إلى لحمة الأذن الثانية, فنظر نظرة أخرى فهو لم يعرف نفسه من النظرة الأولى, فلم يجد شنبه الذي طالما فتله و أقسم و حلف بزواله أو أنكر رجولته إن طاله. سلى نفسه بسؤال عامل الحلاقة فقال له مارأيك هل الآن أفضل أم من قبل, فقال له العامل مواسياً أو كأنه أحس أنه بحاجة إلى من يرفع معنوياته, ( أنت كزا كويس بابا), بعد الدفعة المعنوية من خبير التجميل خرج الولد و اشترى من المحل المجاور بنطال و قميص و كرفته و ذلك من أجل أن يكمل العدة اللازمة للعمل في مجال الأجرة.

انفتحت أبواب الرزق على الولد التائه مع زوال شنبه و طرح شماغه و عقاله, و بدأ الناس يوقفونه و النساء يركبن معه وبدأ يتقن لغة التكسير الخاصة بالعاملين الوافدين, ركب مع الولد التائه أشكال و ألوان و تلقى الإهانات في بعض الأحيان, و لكن كل شيء يهون في سبيل الدرهم والدينار.

الولد التائه صار له علاقة تنكرية مع أصحاب سيارات الأجرة المنتشرين في الأسواق, و كان ذكياً في هذا المجال فعندما يقدم إلى السائقين المجتمعين يبادرهم أولاً بالسؤال عن جنسياتهم ثم يختار جنسية لم يذكروها, بدأت أسرار المهنة تتفتح و بدأ الصف الثاني الخفي من المجتمع يظهر من قبل السائقين, و كان الولد التائه يسمع كلاماً و قصصاً لم تكن تخطر بباله أن مثل هذه تحدث في أرض بلده, بل تعدى الأمر ذلك بأن كان تبادل المعلومات بينهم و تبادل الخبرات و المعاملات بين سائقي الأجرة ينتشر بشكل مخيف.

في ذات مرة كان سائقي الأجرة جلوس في أحد الأسواق, ودار نقاش بينهم عن حدث شغل الشارع , حيث وجد أنهم يتهكمون و يتناقشون بموضوع رضاعة الكبير, و لم يخفي سائقي الأجرة من سعادتهم بمثل هذه الفتوى, و أن حظوظهم قد حيت من جديد, و أنهم عما قريب سوف يصبحون أخوة بالرضاعة لأهل هذا البلد الطيب بأهله و نسائه و خيراته, فبعد أن نالوا من خيرات البلد الآن هم في خطوة التداخل كأخوة بالرضاعة, و سوف ينالون حظوة أعلى و ذلك عندما ينالون من دفء نساء هذا البلد, فالحليب المسكوب في أجوافهم سوف ينزل السكينة و المحبة بينهم وبين أخوتهم من الرضاعة. بدأت نظرته تتغير عمن حوله من السائقين, بل أحس أنهم كلهم يريدون أن يكونون أخوته من الرضاعة, بل أوجس في نفسه خيفة منهم, و من نظراتهم للنساء من حولهم.

كان الولد التائه يعتقد أن العمل بالأجرة سوف يجعله يعيش بوضع أحسن, و لكن هذه الحياة لا تصفو لأحد, بدأت سلسلة لا نهائية من الذهاب بحقه من قبل الصبية أو النساء المستهترات, وبدأت قلة من النساء اللاتي يركبن معه يثرن الكثير من المشاكل,  وكان الحل أن يقضي على كل شيطان رجيم أو فكرة خبيثة تدور في كبينة القيادة بأن يجعل المذياع على إذاعة القرآن الكريم من أجل أن يعلمن أنه رجل ليس له طريق آخر أو أهداف أخرى من التوصيل. و لكن حتى الإذاعة كانت هناك مطالبات من بعض الصبية بإبطالها و أعمال أشرطة الأغاني التي صارت في هذا الزمان من المحللات بالثلاث بل أصبحت من المحببات بعد أن كان الناس يعتقدون أنها من مزامير الشيطان , بل هي تهدأ الروح و تشرح النفس و تسكن القلب الطمأنينة – زعموا – فكان رده الدائم على من يطلب هذا الطلب أنه لا يملك أشرطة أغاني, فيكون الرد المباشر من الراكب أن لديه الشريط المطلوب فيرضخ السائق أمام الأمر الواقع.

كان الولد التائه يريح نفسه من عناء يوم كامل من الكد و التعب بالصلوات الخمس في المساجد, حيث يتخلص من كدر الدنيا كلها, و يقوي أواصره مع خالقه و رازقه, و يتخلص من كل الهموم بسجدة لله تعالى فيعود مطمئناً راضياً قانعاً في حياته, و لكن حتى سلواه و مهجة فؤاده , لم تكن بعيدة عن عبث بعض الركاب الذين يطالبون السائق بأن يوصلهم إلى مشاويرهم حتى لو فاتته صلاة الجماعة, فصلاة الجماعة كما حدث بها  -من لا أثق بحديثه- أنها ليست واجبة, و أن الناس قد أخذوها عادة و أن الصلاة في البيت مشروعة. فيبدؤون بسياق أدله حفظوها و لم يعوها , و نقلوها و لم يهتموا عمن أخذوها.

الولد التائه أصابته الأحداث بجنون, و بدأ يحدث نفسه و بصوت مرتفع, حيث وصل الأمر إلى حد لم يعد يحتمل, فالنساء أصبحن يطلبن منه أن ينزل الأغراض داخل البيت و أن يتمشى و على راحته في ردهاته و خاصة أن الاختلاط الممنوع كان إشاعة و أن هذا المسمى” الاختلاط” لم يكن موجود البتة( ياخبر أبيض), وله أن يختلط كيفما يشاء, و بأي طريقة شاء, ولا خوفٌ عليه و لا هم يخزنون من أن ترصده عين الحسبة الساهرة, فرأسها في أطهر بقعة قد فند –بالباطل- هذه المزاعم الموضوعة, و أحل الكثير من الحرمات وأباح الكثير من المنهيات و تجاوز العلماء و الإفتاء و السابقين و المتأخرين, و عاد بقول ثمين و ألقاه فقال للناس إني لكم من الناصحين.

الولد التائه أصبح ليس تائهاً بل بدأ مضطرباً فكرياً فالأخبار و الصحف تصبح على أبنائها بأخبار القبض على ملايين الممنوعات المهربة من المخدرات فأصبح الولد التائه يمشي في الأرض حيرانا و يخاف حتى من ظله و لا يقف حتى بنفسه و يخشى أن يخالط أي أحد أو أن يثق بأي أحد, فالحملات التي يسمعها يعلم أنها كانت تستقصد بلاده الطاهرة, و أن شباب دولته المسلمة المحافظة هم محط أنظار العابثين المروجين من الدول المعادية, و أن أمن هذه البلاد هو الهدف المحدد من قبل الأعداء, فخشي على نفسه أن يقع و لو بالخطأ في هذا الأمر, فاستدار رأسه و أصبح لا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر.

هل عرفتم قصة الولد التائه..و الذي يكاد يطير عقلة من سرعة المتغيرات من حوله و من أمور تكاد أن تجعل الحليم حيران و العاقل مجنون و الموجود مفقود…نسأل الله الثبات على الصراط المستقيم…آمين
م. سليمان بن صقير الصقير
www.naseemnajd.com

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

هل حقاَ مات العرب المسافرون؟

أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده (رماني).. وأسقيه من عذب حروفي فلما تعلم الحرف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.