رحلة نسيم نجد في صحاري نجد…بين الخزامى و النفل ( 2 )

اليوم الأول….رحلة برية بحرية

 

 

عندما خرجت من مدينتي….. ظهرت لي المدينة في مرآة السيارة …….كفتاة جميلة تودع حبيبها….. أو طفلة صغيرة تنظر النظرات الأخيرة لأمها….أو شمس في طرف المغيب تتلثم بسواد الليل عن أهل الأرض….. و أخذت تصغر في المرآة وتكبر في قلوبنا….إنها نظرات الوداع التي دائماً ألقيها على حبيبتي….. مدينتي …فأنا أفتقدها و لا يهدأ بالي إلا بالعودة إليها…..و معانقة أرضها و السباحة في فضائها ….انطلقنا و هدفنا الطريق المؤدي إلى الرياض….

 الرياض و التي أخذت أسمها من الرياض التي تحيط بها من كل جانب …فروضة التنهات …وروضة الخفس…وروضة خريم…وروضة محيرق …..وهذه الرياض و الفياض المتناثرة ….تتغذى من عدة أودية و شُعبان…..فشعيب الشوكي… و شعيب الطوقي…وغيرها الكثير….في طريقنا لهذه النزهة البرية ( في عرف أهل نجد تسمى كشته )..قد استقلينا سيارتنا…. التي يقودها محدثكم…. و بجانبي أبي…… قد وضع رجله اليمنى على الأخرى…… و بيده مسبحته …فيقلب حباتها …..و تنساب السواليف و أخبار الأولين من شفتيه كما تتساقط حبات المسبحة من بين يديه….. في المرتبة الخلفية يجلس أخي الأصغر مني وبجانبه ثلاثة من أخوتي ممن يدرسون في المرحلة الثانوية…فتظهر لي في المرآة الوسطية للسيارة…. ابتساماتهم في بعض الأحيان….و تارة علامات التعجب على محياهم…أو تكاد أن تقف أحجتهم من الدهشة….كنت أعتقد أنهم متأثرون بما يتحفنا به الوالد …..من جميل القصص…… و بديع الحكايات …..و بعض المواقف….. و تجارب الزمان….و عندما أدرت رأسي…. وجدتهم في عالم آخر….. في بحر آخر من العلوم….. كل ممسك بجواله …..و يستعرضون الصور فيبتسمون ….و يلعبون الألعاب فيندهشون …..و يتبادلون المقالب فيتعجبون….ووالدي حفظه الله يقول : في كل حين….. آه ياعيالي…. مرت علينا أيام عساه ماتمر عليكم….. لم أكن أمل من تجارب أبي في الحياة…..و محطاتها التي تقلب فيها….. ( فلا تعتقدون أنني ينطبق علي المثل….. كل فتاة بأبيها معجبة…..بل أنا فتى لست معجب بأبي …بل أكاد أجن بأبي…ولي الحق في ذلك )…. يذكر قصته….. عندما كان في الثالثة عشر من عمره و كان قد ودع أهله ….وبيته….. و مدينته….. و اتجه إلى العمل في شركة أرامكو السعودية….. و عوده الرطب تعصف به رياح الغربة …..و لا يزده إلا اشتداداً و صموداً أمام عواصف الحياة العاتية ……و المهندس الأمريكي المشرف عليهم …..كان يرحم ضعفه…. وصغر سنه….. فيكلفه بأعمال بسيطة ….لكن لم يعجبه العمل في تلك الشرك فأرسلة أحد الأقارب إلى البحرين……وتبدأ قصة الرحلة الأولى له خارج حدود وطنه…رحلة البحث عن نافذة في بحر الأمل…. أنتقل إلى البحرين عبر قارب صغير….. في ليل دامس….. قد علق فيه سراج صغيرة يخفت ضوئه عندما تهب الرياح….. و يزداد نوره عند سكونها….. و يبدو القارب للرائي من بعيد….. كنقطة بيضاء في وسط صحيفة كبيرة سوداء…. تتقاذفه الأمواج في بحرها المتلاطم…..و عند بزوغ الفجر…. لاح في الأفق جزيرة راقدة على سطح البحر….وحين أستقر بهم القارب على الساحل في دولة البحرين…. في رحلة هي أقرب إلى الموت من النجاة ….و مخاطرة غيرمحسوبة العواقب ….و هروب من البؤس و كبد العيش….. و فرار من شغف الحياة ….و محاولة من محاولات البقاء …..و بداية لطريق طويل في خطوات الأمل المعقودة من الأسرة بأكملها على ظهر ذلك الصبي المرجل ….وكيف كانت دهشته عندما رأى من بعيد ساحل البحرين…. و بدأت تعود إليه الحياة بعد أن ظن أن لا حياة …في رحلة طويلة عبر نفق الحياة المظلم….وطئت قدماه أرض لم تعرفها رجله….. و لم تألفها نفسه…. و لم ترقد فيها عينه….بينه و بين أهله صحاري و بحار….حياة و موت ……آلاف الوجوه الجديدة …..في حياة ذلك الصبي …..آلاف المناظر الكئيبة التي تتقافز إلى ذهن ذلك الفتى كلما تذكر أنه يحول بينه و بين أهله هذا البحر الهائج ….زفرات تكاد تقطع القلوب لتلك الذكريات ….نزل من المركب و بيده بقشة تحمل كل مايملك من هذه الدنيا ….و ترفرف بها الرياح من خفها…..و يلبس ثوباً قد أصبح يابساً من كثر مامر عليه من الرطوبة و مياه البحر…..يلف رأسه بشماغ قد ربط بأحكام عند نهايته…..تظهر عينيه من وجهه……فيهما براءة الطفولة القريبة ….و نظرات الرجولة العنيده….نظر عن يمينه وشماله……فلم يستطع أن يحدد مساره و استمر بالمسير بالطريق المستقيم السالك أمامه…..فهكذا الغرباء عندما تحط رحالهم في أرض لا يعرفونها فهم يتخوفون أن يتجهوا إلى غير الطريق المستقيم ….يمشي في أسواق البحرين و في يده المفتاح السري لتلك المعيشة الجديدة…. و المصباح العجيب لهذه الخطوة الفريدة ….بيده ورقة في محتواها رسالة لأحد تجار البحرين من أحد المعارف يطلب منه متلطفاً قبول هذا الفتى للعمل عنده في متجره …بحث عن ذلك التاجر… مر على أزقت المنامة كانت أصوات التجار في شارع التجار تتسابق إلى أذنه لعله يجد من بينها اسم ذلك التاجر الذي يبحث عنه …رأى أشكال جديدة من الناس يتعاملون مع التجار يقال لهم أهل السند و الهند……..تجار السند و الهند يعرضون ماحملت مراكبهم من البهارات و البضائع الهندية…..كل مامر بسوق سأل عن ذلك التاجر ….رائحة الأسماك تنتشر في كل مكان…..رطوبة الجو تُلصق ملابسه اليابسة على جسمه النحيل ….أخذ يقلب عينية على هذا العالم الغريب …و لا يكاد يمر شخص إلا يسأله عن اسم ذلك التاجر …..فأرشده أحد المارة إلى سوق آخر يجتمع فيه التجار في شارع آخر….فوجد مبتغاه و سلمه الرسالة….فرحب به التاجر…. و أخذه إلى بيته….فعاش في بيت أحد أكابر البحرين…. و تجارها المعروفين من أصل سعودي و نشأة بحرينية …..يتنقل بين بيتين من بيوت أزواجه…. يعمل في النهار بمتجر ذلك التاجر…. يجلس على عتبة المتجر….. فتتقلب عيناه على البحر المتلألئ عند بزوغ الشمس من المشرق…… يشاهد الصيادين و هم يدخلون البحر قبل بزوغ الشمس….. ويرقب أهل المدينة و هم يخرجون كل يوم للبحر ينتظرون عودة الغواصين…… الذين ذهبوا من عدة شهور للغوص بالبحر …..و أهلهم و عائلاتهم ينتظرونهم على أحر من جمر كل يوم …..فلعله يبين مر
كبهم من بعيد …..و يعود الغواصون إلى أهلهم و أبنائهم سالمين من البحر….. فالبحر له ذكريات حزينة مع أهل تلك المدينة….. فكم غدر بهم… و كم يتًم أطفالهم ….و كم رمل نسائهم ….فهو محل بؤسهم و سعادتهم …. إنه الحبيب الغدار…. كان أبي يراقب عائلات الغواصين حين يحين المساء…. بعدما يعودون بائسين….منكسرين ….حزينين….مهمومين …..عندما لم يظهر لهم مركب أحبابهم…. و آبائهم …..يعودون وقد كانت تتوقع الزوجة أن يعود معها زوجها….. و الطفل يحلم أن يمسك بيد أبيه….. و الأم أن تظم ابنها …لحظات انتظار تطول طوال النهار….. و عند لحظة الغروب…يتحول الحلم إلى سراب…. تكتسي الوجوه بسواد الليل المظلم….. و سواد الحزن الأظلم…. كان أبي يقلب طرفه و بتعجب في هؤلاء القوم….. و حين يحول بصره إلى إتجاه آخر يرى المراكب الراسية على ساحل البحر ……ويرى للرمل لونا آخر غير لون الرمال الصفراء الكثيفة في صحاري نجد ……و لم يعرف من قبل تلك الغتره البيضاء التي يلبسها أهل البحرين…… أو تلك الوزرة المخططة بخطوط متقاطعة يلبسها الصيادين صباح مساء…… و كان ينظر بدهشة كيف تتقلب الأسماك في شباك الصيادين في محاولة النجاة…..و كيف تُنصب الشباك ليلاً و عند الصباح يجد الصيادون ….وفيها الأرزاق قد قسمت….. فقد تجد من حملت شبكته أنواع الأسماك ….ومنهم من عاد خاوياً حزيناً على حظه….. كان يراقب الغواصين الذين كستهم رياح البحر و شمس السماء سمرة حالكة …..و كيف أنهم أزالوا كل شعرة في رؤوسهم… و علقوا على أعناقهم مايسد به آذانهم و أنوفهم فيستخدمونها عند الغوص…وربطوا بعض القطع العاجية على رقابهم…. آه ….لم يعلم أبي…. أن هناك عالم آخر في بقعة أخرى من هذا الكون يعيشون بهذه الطريقة ….و لهم تلك التقاليد الغريبة على أصحاب نجد …. و لم يخطر بباله أنه يوماً من الأيام سوف يترك الصحراء ….و الإبل و الغنم…. و بيوت الشعر….. و يفتح عينيه كل صباح على المراكب الراسية ……و يسمع بإذنيه كل مساء صوت الموج الهائج …..و يأكل كل يوم مما تجود به شبكاك الصيادين ….لا يعلم أبي هل هو في حلم أم في علم….و بعدما يرجع في المساء من المتجر… طلب منه ذلك التاجر أن يستفيد من الوقت….. و ذلك بالدراسة في معهد آخر خاص لتعلم اللغة الإنجليزية ..دخل فصل مدرس يتكلم بلغة سريعة …يجهلها ….و يشده حب الاستكشاف أن يتعلمها……أنه يتكلم كما يتكلم المهندس الأمريكي في شركة ارامكوا …كان يفكر….من الممكن أن أتكلم يوماً ما مع ذلك المهندسالأمريكي و بطلاقة …بل تبادر إلى ذهنه أن يسأل المدرس هل يعرف ذلك المهندس الأمريكي فهم يعرفان نفس اللغة فمن المؤكد أن يكون له علاقة به…..قطع عليه تفكيره صوت المدرس معلناً نهاية الحصة….لقد بدأ يتعلم أحرف جديدة في حياته….. و لبس ملابس أنظف مما كان يرتديه من قبل….. طاب مطعمه….. فذاق السمك ولأول مرة في حياته….. كيف كان ينحرج من التعامل مع أشواك السمك ….و عندما يعود في المساء بعد الدراسة يجلس في مجلس ذلك التاجر و تجار القوم يجتمعون عنده….و يتحلقون حول جهاز عجيب …له أسلاك موصلة بالنافذة …..و في مقدمته حلقتان دائريتان…. يفركهما التاجر….. فيبدأ ذلك الجهاز بإحضار أصوات أشخاص يتكلمون من خارج المجلس …..بل أن فيهم من يتكلم بأخبار العالم….. و فيهم من يقدم الطرف …..و فيهم من يقدم الأغاني التي يطرب لها من في المجلس….. و يتمايلون مع أهازيجها ….و لا ينسى أبي أول يوم رأى فيه ذلك الجهاز العجيب الذي يسمى الراديو و كيف أنه كاد يزيغ عقله عندما شاهده في الوهلة الأولى…فكيف يتكلم إنسان من داخل صندوق خشبي ….. لاحت في الأفق مبشرات لمستقبل أفضل…. و حياة جديدة….. و أمل جديد…ولكن الأيام الجميلة لا تلبث أن تغيب شمسها …و ينقطع ودها…و ينقلب صافيها…وتٌبقي كدرها……فكأس الحياة تعطيك كأساً واحد من أطيب كوؤسها و تعطيك أسوأها حتى الثمالة…..في يوم جديد من حياة أبي في أرض البحرين ….أطلت الحياة بوجهها الأسود على ذالك الشاب الصغير الذي بدأ يحفر أسمه و مستقبله بين تجار أهل تلك البلد….وصلت …رسالة من جدي رحمه الله…. تنادي أبي بأن يعود حالاً إلى أرض الوطن ….مع أول مركب….وذلك لأن جدي كان متديناً جداً…. وحضر إليه بعض أهل البلد…. فقالوا له كيف تترك أبنك يعيش في ارض لا تعرف عنها مايعرف أهل الأرض عن أهل الكواكب الأخرى…..وكيف تترك أبنك يدرس علوم الكفار و يجلس ليتعلم لغتهم….عندما أتته الرسالة ( الخط )….قال : سمعاً وطاعة…..نظر أبي إلى البحرين كلها بنظرة واحدة …اجتمعت عنده جميع المناظر في لحظة واحدة…..المراكب… الغواصين… الساحل…. الصيادين….. الغتر البيضاء… مدرس الانجليزي….تجار السند و الهند……. مجلس التاجر…. الراديو ….المتجر… العملات البحرينة….البحرين بطيبة أهلها …..البحرين بصفاء سمائها….البحرين بمكانة تجارها….البحرين بكل أحزانها و همومها….البحرين بلحظاتها السعيدة….البحرين بضحكاتها و دموعها……اجتمعت الدنيا من أقصاها إلى أدناها في قلبه….اجتمعت في عينه كحلم ليل …و كشريط سريع يمر بلحظة عين…..ولكن لا فرار من تلبه الطلب ….وضع رجله الأولى في المركب…. بدأ المركب يتمايل بالركاب كسرير طفل معلق يتحرك يلهيه عن البكاء أو يسليه عن الأحزان….ودعها وهو في المركب و لم ينظر إلى الخلف لأنه يعلم أنه لن يستحمل فراقها ووداعها….انطلق المركب…..ورائحة أسواق الأسماك تكاد تغطي المكان….أهازيج البحارة تتنافس مع صوت البحر الهائج أيها يعلوا صوته ….و أصوات المودعين لأهلهم يسمع صداه…….في أطراف الكون….وعلى الساحل أهال

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

زهور الربيع

رحلة إلى البراري حيث تنثر الأرض زهورها في الرياض و الفياض, فعانقتها الكلمات , و عشقتها الصور ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.