باريسيات


في باريس …خرجت مبكراً جداً , و قررت أن أزور الغابة القريبة من أطراف باريس , و لا أعلم هل هي غابة فانسن أو بلونيا . خرجت و بيدي خارطة تبين الطريق الموصل إليها , فدخلت أولها و نعمت بأجوائها الرائعة , فالا تسمع إلا حفيف الأشجار , أو زقزقة الطيور , أو خرير المياه المنساب من الجداول , أو أنفاس رياضي ثائر .وضعت باريس في الجهة اليمنى , و الغابة في الجهة البسسرى , ثم تعمقت بوسطها , و بعد أن وصلت إلى قلب الغابة أحسست و كأني بوسط لعبة المتاهات , تقاطعات غريبة , و أغصان الأشجار متماسكة . و الأرض بالمياه مبتلة . فدب الخوف في صدري , و لكن يصبرني و يربط على قلبي , عندما تنعشني القطرات , و تتسلل إلى رئتي نسمات الهواء الصافية النقية , فصدقت التسمية عن هذه الغابة ” مصنع الأكسجين لباريس “…

في باريس …شققت طريقي في وسط تلك الغابة , و كانت الأرض تخفي لي تحت أوراق الأشجار المتساقطة الكثير من بقع المياه الراكدة . و لم أختر الملابس و الأحذية المناسبة لخوض تلك التجربة , فتبللت الثياب و اكتشفت تهريباً خطيراً في جلدة أحذيتي حتى تبللت جواربي . كنت أنظر لمن حولي فلا أجد مد النظر إلا أشجار متماسكة و أرضية مكتسية بالأوراق اليابسة , و سماء مظلمة , و من تحتها سحب كثيفة , و يخيل إلي أن هناك شيء ما سوف يخرج لي من بين تلك الأشجار . أو هكذا أتوهم , أو رسمها عقلي , أو نسجتها أفكار الخوف التي أملاها علي عقلي .

في باريس …تعتبر تلك الغابة ملاذاً للمجرمين و اللصوص في العصور الغابرة , أو قطاع الطرق أو الهاربين من الأحكام في العصور الفائتة , فكان فكري يقول كيف سأنجوا منهم ؟ و هل سوف يصدقون أنني قدمت من أطراف نجد لأخوض مثل هذه المغامرة , مغامر سماع أصوات الطيور المهاجرة , أو هل تعتقدوا أنهم سوف يصدقون أنني استيقظت من الفجر في هذا الشتاء القارس من أجل عيون أخوة لي ينتظرون من تقريراً مفصلاً عن غابات باريس القريبة . و لكن قطع علي حبل أفكاري أن بان نور من بعيد , فكأنه يلوح لي بالنجاة , فآثرت ترك المغامرة لمن هم أهلُ لذلك و آثرت السلامة .

في باريس …” لا تحمل هم الأناقة بزيادة ” , فأهل باريس تبدوا منهم الأناقة بدون تكلف , و يظهرون بأشكالهم الطبيعية , بل إن اهتمامهم بملبسهم يقل عنا , و لكن يجملهم ما وهبهم الله من جمال المظهر , فأصبح أي لبس يظهرهم بمظهرٍ رائع . أما نحن فنشتري أغلى الملبوسات , و نختارها بعد تدقيق و تمحيص , ثم نقارن بينها و ننسقها , و نتفاجأ أنه لا تعجبنا بعد أن نلبسها , و نلوم كل من حلونا ’ و لا نعلم أن العيب ليس فيها , بل إننا نحن لم نخلق لها . فرأيي ..أن تكون بسيطاً …و لكن لا يفهم من كلامي أنني أدعو أن يكون المرء مهملاً لمنظره , رثاً في ملبسه , بل الوسطية هي النجاة , و الاعتدال هو المطلب , و الاختيار المتناسب و بغض النظر عن السعر هو من سوف يزيد من جمال منظرك . اقراء المزيد»