أخوتي و أخواتي الأفاضل..
هذه محاضرة ألقيتها عن السفر عدة مرات خلال هذه الأجازة, و ذلك عبر عرض استخدمت فيه برنامج الـ powerpoint مع ملاحظة أن الصور كلها من الإنترنيت و ليست من تصوير الكاتب.. الرابط : السفر وقفات و إضاءات
مع تمنياتي لكم برحلة سعيدة
كان يوماً شديد المطر في شوارع مدينة بون, فأخذت أسارع الخطى لأهرب من زخاته, و ذلك حتى أصل بسرعة إلى مقصدي و هو مسجد المغاربة, كان بجانبي صديقي الذي تعرفت عليه هناك, وكان يحاول عبثاً أن يوازي خطواتي المسرعة, ولكن لعله لم يستطع ذلك, فقال لي من بعيد أريد استشارتك بموضوع معين بعد الصلاة فلا تستعجل الذهاب, و بعد الصلاة خرجت فوجدته بانتظاري, و لم أسأله عن الموضوع وذلك لأني أعلم إن كان الموضوع مهماً له فسوف يتذكره , وإن كان ليس مهماً فليس لي الحق أن أطلب منه أن يفتح ذلك الموضوع, فقد يكون قد عدل عن رأيه أو تغيرت و جهة نظره, مشينا سوياً و بخطوات متسارعة, وكان المطر قد خف هطوله, حانت منه التفاته إلي , ثم تنهد بصوت عالي , أنين صوته وصل لقلبي وقطع أوصاله, فقال لي : أخي لقد تقطعت بي السبل وأخذت من الحيرة مأخذها, و صرت بحال لا أعلم نهايتها, و لا أدري متى تنقضي أيامُها, وكلما أحسست بالفرج قد أقترب رأيت الكربة تشتد, وكلما لاح الأمل و جدت الألم يسبقها , وكلما سكنت حالي جاءتها ريح عاصف تدمر كل شيء في حياتي , فلست بميت مرتاح ولست بحيٍ ينعشه الأمل, بل إن نبضات قلبي تطرق مسامير نعشي كل يوم, و أنفاسي تغزل خيوط كفني, آه ما أحر الألم و ما أشد الكربة, قلت له : سلامات كل مشكلة ولها حل, وكل أمر له علاج, فقال : سوف أحدثك حديثاً فلا تستغربه, وسوف اروي لك حكايتي من أولها حتى آخرها فلا تستنكرها, وسوف أقصها وقد تعتقد أنني أنسجها من خيالي, فلك ما شئت فإن صدقتني فبها, و إن كذبتني فلك ذلك, , أمسكت بيد صديقي المحتار فقلت : بل أصدقك أخي , و هل تعتقد أنني سوف أصحب من أشك بصدقه أو أمانته, شد على يدي, ثم قال لا يعلم بهذا الخبر من الناس إلا أنا و أنت فاكتمه علي و لا تخبر أحد عنه, زاد خوفي من شديد حرصه, بدأ المسكين يروي أمره, يقول : لقد قد قررت أن أشكي لك حالتي و ذلك لما زاد ألمي فأردت أن أحسم أمري , و بدأ بسرد حكاية عجيبة , و بدأ يقلب صفحات حياته الحزينة, فاختلطت على وجهه قطرات المطر المنهمرة من السماء و الدموع المتساقطة من البكاء, يمسحها بيده ليخفي حال ضعفه, هو مستمر بحديثه, يتبسم في مواقف سعادته, ويصمت في مواقف ألمه, ثم يلبث قليلاً بحالة صمت حتى يستجمع قواه ليواصل حديثه, فيواصل حديث الألم, قطعنا أثناء حديثه ما يقارب الساعتين من المشي المتواصل و لم أرد أن أقطع حديث الروح الذي بدأ يبثه, فهو يريد أن يفضفض و بشكل مستمر, وعندما انتهى قال بعدها ما رأيك و ماذا أفعل ؟ و لعلي أصدقكم الحديث , لقد ألجم لساني هول القصة , و أعجزني حرها و شدتها عن الرد عليه, فقلت له و باختصار عليك بأربع , من صدق مع الله صدقه, و من يتقى الله يجعل له مخرجاً, و من لزم الدعاء كانت له الإجابة أو التعويض بخير منها , و من لزم المسجد نهته الصلاة عن كل منكر, عليك بهذه و ألزمها فهي دليلك في حياتك و هي نجاتك بعد مماتك . أطرق برأسه , ثم قال نعم ينقصني في حياتي أشياء كثيرة, و سوف أحاول أن أطبق ما قلت , لقد عرض علي المشكلة ولم أفده بحلول جديدة بل أعطيته كلمات بسيطة الكل يعرفها, حتى خفت أنني خذلته في حلي لمشكلته, و قلقت أنني لم أقف معه كما يريد, و لكن كان لطف الله به عظيم فقد أنقذه من مشكلته, تفرقنا بعد السفر و كان الاتصال بيننا عبر الهاتف, و بعد سنة قال لي : هل تذكر الموضوع لذي حدثتك عنه, قلت نعم , قال :لقد سلمني الله منه و رأيت الحياة التي يعيشها الناس و السعادة التي يتغنون بها, فقلت له احمد الله الذي دلك على الطريق الصحيح , و ما هذا إلا بفضل الله سبحانه و تعالى و حسن ظنك به, قال : الآن سوف أعود إلى ألمانيا الأسبوع القادم, و هذه المرة الأولى التي سوف أسافر بها مطمئن القلب, خالي الهموم, مستريح البال . اقراء المزيد»
أيام الشتاء في أوربا طويلة ومملة, فمنذ أن يلفظ شهر أغسطس آخر أيامه, فإن كل شي يتغير ويتبدل ويتحول , الأشجار تنفض أوراقها, فتتلقفها الأرض, والسماء تزيح ثوبها الأزرق و تلبس ثوب السحب الداكن, السحب الكثيفة تنذر كل لحظة بأمطار غزيرة, الليل والنهر يتعاقبان وهما يفقدان أهم ما يميزهما, أشعة الشمس وضوء القمر, فيكون الليل والنهار متشابهان لدرجة كبيرة , إلا أن النهار أكثر وضوحاً من الليل, خرجت مع صديقي القطري الذي تعرفت عليه هناك, و كنت متلفعاً بأنواع من الملابس لأتقي شر ذلك البرد, ولا يظهر مني إلا بصيص من عيني أتلمس فيه خطوات أقدامي مخافة أن تزل القدم على أرض تغطيها الثلوج, بيدي يمسك صديقي, وكأننا نستمد الدفء من بعضنا, قال لي : ونحن نسير في الطرقات تعلم يا أخي أني مبتلى بالتدخين, فهززت رأسي بمعنى أنني أعلم ذلك, و لم ينتظر مني جواباً بل تابع حديثه مسترسلاً فقال : وأريد منك مساعدتي على تركه, قلت هل حقاً تريد ذلك , قال : نعم, قلت : نصيحتي لك أن لا تتركه, أحسست أن يد صديقي انسلت من بين أصابعي, وأحسست أن من كان يسير بجانبي قد فُقد . وقفت ثم استدرت بكامل جسمي أنا وأكوام الثياب معي, فنظرت إلى بعد خطوات من الوراء, فوجدت صديقي مندهشاً, ولا يظهر منه إلا البخار الذي ينفثه من شدة الأجواء, قلت له مالك أخي ؟! لماذا توقفت؟! قال : هل أنت تعي ما تقول !!.. قلت : نعم , قال :أمرك غريب يانسيم, قلت تعال يا أخي , جاء وعلامات الدهشة تملأ وجهه , قلت صبرك علي يا أخي, أنت قلت أنك تريد أن تترك التدخين, وأنا أقول لك قرارك خاطئ, فتح عينيه وفمه أكثر من قبل, فقلت دعني أكمل ياصاحبي, أنت لا تريد أن تترك التدخين و أنا أريد أن تقلع عنه نهائياً, لذا أن اتخاذك هذا القرار وأنت في الغربة , وترافق أخاك المريض والذي يزداد كل يوم ألماً و شدة في مرضه أعتبره قرار غير صائب, لأن نفسيتك , و وضعك لن يساعداك في المضي في هذا القرار, ولأن اتخاذ مثل هذا القرار يحتاج إلى نفس مطمئنة مستقرة غير مضطربة متزلزلة تعصف بها أي ريح بسيطة, فهنا أي هزة سوف تجعلك تعود مرة أخرى إلى التدخين, بل سوف تقطع حبل الرجاء نهائياً بالإقلاع عنه, وأخاف عليك أن تعتبر هذه التجربة الفاشلة هي حاجز أمامك في مستقبل أيامك للإقلاع عن هذا الداء العضال, لذا عليك أن تختار وقت أنسب, و تمضي بقوة وثبات بدون أن تؤثر عليك عوامل خارجية , صديقي إن أغلب قراراتنا التي نتخذها بسرعة وتحت وقع مؤثرات معينة, تكون بالغالب نتائجها عكسية, وثمرتها التي نتطلع أن نستطعمها و نتلذذ بحلو مذاقها, تكون مرة بائسة فتنغص علينا الكثير من أمور حياتنا .
أخي إن القرار يحتاج إلى بيئة مناسبة, ومناخ ملائم, ووقت للتطبيق موافق, إن المرء عندما يتخذ قرار وهو في ظرف عصبي, أو تحت مؤثر عاطفي, أو انفعال معين, لن يكون هو القرار المناسب بالتأكيد.
لذا يا أخي, نحتاج أن نستشير بعض صحبنا, أو ممن يتوافق معنا في تفكيره , عند مرورنا بمثل هذه الظروف, أي أننا بمعنى بسيط نستأجر عقله الذي لم يقع تحت تلك المؤثرات لكي يعطينا رأيه , والذي هو بحقيقة الأمر رأينا في حالة استقرارنا, وذلك لتشابهنا في طرق التفكير من قبل وإعجابنا بنمطية اتخاذ القرار .
مطار فرانكفورت يعتبر من اكبر المطارات في أوربا بعدد الرحلات . في المدرج تنتظر الطائرات دورها لتودع تلك البقاع , ثوان معدودة فإذا هي تأخذ الأذن بالانطلاق فتشتد سرعتها حتى ترتفع في السماء فتبتلعها السحب السوداء . و في المقابل هناك طائرات تحوم في الجو , و تنتظر أيضاً من برج المراقبة أن يأذن لها بالهبوط , فعند الإذن تحدد المدرج المقصود فترمي نفسها بين فوانيس تضيء أطراف ذلك المهبط المحدد كعروس في ليلة زفافها . في صالات المطار المتعددة أعداد هائلة من المسافرين , بعضهم يترقب رحلته , و البعض الآخر قد أعياه التعب من رحلات المواصلة , و مجموعة أخرى تظهر على وجوههم البشاشة بعد أن وصلوا من رحلتهم الشاقة . المطار بصالاته الواسعة, و بأدواره المتعددة يضج بالحركة الدؤوب . و من بين تلك الجموع الكثيرة تظهر ثلاث فتيات , اعتقد أنهن في العشرينيات من أعمارهن , قد تزين بأجمل زينة , فهن بكامل حجابهن الذي غطى الوجه و الأطراف , بل كن متلفعات بعباءات سوداء قد وضعت على الرأس كتاج للكريمات من بنيات هذا الدين . لقد توقف بصري بالقرب منهن إعجاباً بحرصهن على الحجاب برغم أن المطار يعج بالناس من كل فج عميق , و زادت نبضات قلبي فخراً ببرهن عندما رأيتهن يدفعن عربة الأب المقعد . شققن الطريق من بين المسافرين و قد قسمن بينهن العمل فواحدة تدفع أبيها , و الأخرى تجر الحقائب , و ثالثة تتبادل الدوار معهن في حال التعب . بدأت صورتهن تختفي شيئاً فشيء , حتى اختفى سواد جلابيبهن بين الجموع و بقي نور الهدى ينير جنبات تلك الصالات . إنها قصة حب بين العفيفات و لباس الطهر , إنها قصة عشق بين قلب حي و أمة تنظُر للقيوم الحي . إنها حياة فخر في نفوسنا لفتيات ثبتن في زمن الفتن , إنها حكاية إيمان عظيم أصله ثابت و فرعه في السماء … فلله درهن من فتيات…و أسأل الله أن يثبتهن بالدنيا و الآخرة …و إلى الملتقى بإذن الله تعالى .