رحلتي إلى إيرلندا

 

قيل لمسافر كيف وجدت باريس ؟
قال باريس الآن ليست كباريس أيام زمان
قيل له إذاً باريس ليست كباريس
قال لا بل أنا لست كأنا

 لقد كانت هذه الكلمات هي آخر سطور الدكتور غازي القصيبي في كتابه ” عندما عدت إلى كالفورنيا ” و أنا اليوم أبدأ بها أول سطوري في سرد رحلتي إلى أيرلندا . لقد سافرت إلى أوربا هذه المرة و أوربا ليست كأوربا التي أعرف , و ذلك ليس لتغير كبير وجدته في أوربا ولكن لتغير عظيم وجدته في نفسي , نعم.. أنا لست أنا .

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

فلقد حزت حقائبي و بالقلب ألم من ألم أمي والتي خرجت منذ شهر من المستشفى – أسأل الله العظيم أن يشفيها و يعافيها – و بالعين دمعة على أطفالي الذين فارقتهم و هم يتتبعون خطوات خروجي من بينهم , وبالنفس حزن على حال زوجة كتمت أشياء عدة من جراء سفرات زوجها المتعددة .

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

حلقت الطائرة فوق الرياض فبدت العاصمة بشكل مربعات متناسقة , يفصل بينها شوارع تنبض بالحركة , وتغطيها بعض الأتربة و الأدخنة المتصاعدة , فصارت كهالة حول جرم سماوي , أو كقبة تحيط بالمدينة , أو كسوار يلف معصم . اخترقت الطائرة ذلك الحاجز فاقتربت من أشعة الشمس فأحسست بدفء عظيم ينفذ من نوافذ الطائرة و يسكن في أطرافي .

إيرلندا الرياض دبلن أثلون

ولكن يال الحزن لم يلبث أن ذهب خلف الأفق , و عندما نزل سواد الليل اختفى كل شيء يجمعني بتلك الأرض خلف جلبابه ,  بل نزع كل شيء يربطني بأهلي وصحبي , و لم يبقى إلا أثر ضوء بدا يشع من بعيد يبحث عن أهل الأحزان من البشر و يتلمس حالهم ,لقد بداء القمر يسامرني و يحكي ألف حكاية عن أهل الأحزان من أمثالي ليواسيني .

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

نظرت إلى قرصه الوضاء الذي يبعث في قلبي الحياة . فسألته هل أنت رسول من رسل الأحباب أتيت إلى هذا الإنسان الذي قد جثم على كرسيه خاوياً من كل مشاعر فأتيت إليه لتبلغه بعض المشاعر . أم أنت زائر المساء قد أشفقت على كل وحيد فأتيت إليه تؤنسه في غربته و تواسيه في وحدته , أم أنت بعض نور الأحباب نور وجه أمي , و صفاء قلب أبي , و حسن طلعة عائلتي ..أبو أن يتركوني لوحدي فأرسلوك لترافقني . قلي من أنت لعل الأنس بك ينسيني بعض همي …و لكن هيهات ….

 

 

 ابتعدنا عن رسمت الأرض فأصبحت معلقاً بين السماء و الأرض فوضعت رأسي فوق مرتبة الطائرة وقلبي ينبض بقوة ويكاد يخرج من قفصه الذي ربى فيه و ألفه , و عيني تنظران إلى الخلف لعلهما يرقبان دار أهلي التي عشت بين ثنايها و سكنت أطرافي زواياها و نقشت في كل ركن ذكرى جميلة أو ابتسامة صادقة أو حكاية من ألف حكاية .
أنفاسي تبحث عن رحيق طالما تنفسته و أحبته وعشقته . فلم تجده فكدت أن أختنق .
و قلبي يبحث عن خفق يردد معه خفقه…و لم يجده فكاد أن يتوقف …
و أذناي تبحثان عن كلمات طالما غنت بلحن ” بابا ” فمنها الأذن قد طربت ….فلم يكن هناك من الآن من يشدوا بها..
و عيناي تبحثان عن أليفهما , فلم يكن بالكون لهما مشابه فيئستا , فرقدتا لعلهما بالحلم يجدانا بعض صورتهما …
لقد حلقت بجسدي و بقيت هناك روحي .
لقد اقتسمت قلبي بين أمي و أبي و زوجتي و أطفالي , وضعت بينهم الحنين و الشوق و الحب وذهبت بجسد جديد ينبض بقلب متسارع ليتواصل مع من أحب .

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

أقبلت على أيرلندا فبدت بشكل آخر من أوربا , فأيرلندا كما صورت لنا عبر كتب الرحالة هي حديقة أوربا الكبيرة , في عز الصيف بدت و كأنها قطعة من جنة .

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

فيها أرض غطيت بالكامل بالخضرة , و سماء تشكلت بسحب كثيفة , من السماء بدأت أرضها كالقصور الأثرية و التي تقبع وسط حديقة غناء رائعة  فتية .

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

عبر نوافذ الطائرة رأيت تقسيمات الأرض و الطبيعة قد ملكت كل حبة رمل فصبغتها بلونها الزاهي , مع منظر الطبيعة عبر نوافذ الطائرة يخيل إليك و كأنك بمعرض للفنون التشكيلية الطبيعية .

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

حيث تمثل كل نافذة إطاراً للوحة من لوحات تلك الأرض .
و عندما هبت إلى الأرض رأيت البساطة ترسم على أهل تلك البلد , و رأيت قطرات المطر تستقبل الغرباء بنفس طيبة , و رأيت الحياة هناك بطريقة أوربية جديدة ..

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

أخذت الطريق إلى المدينة الأولى , فكانت الدنيا شبه مظلمة من شدة السحب التي تشكل السماء , و الأرض خضراء فاقعة من الطبيعة التي تغسل يومياً بقطرات السماء …

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

هناك الأرض كما أحب و تهوى نفسي فهي منبسطة ,  لا تحد النظر بجبل , أو تعيق المتأمل , هناك بدت لي حياة جديدة غير التي رأيتها في دول أخرى من دول أوربا .

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

بدأت الطريق اليوم معكم , و بإذن الله سوف أستمر حتى أنهيه لكم , و آمل أن تكون حلقات خفيفة بسيطة , لا تطول فتمل , و لا تقصر فتخل .

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

فبسم الله نبدأ

 

ايرلندا الرياض دبلن اوربا أثلون قولوي

نسيم نجد

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

رحلة نسيم نجد من الشرق إلى الغرب في بلاد الإيرلند

رحلة نسيم نجد من الشرق إلى الغرب في بلاد الإيرلند   أتيتكم بعد غياب… و …

2 تعليقان

  1. مصطفي سالم

    جزاك الله خيرا علي المجهود الرائع

  2. روعه وعبارات اروع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *