زيارتي لقريتي (Diesselbach – Obsee ) في طريقي إلى لوزيرن

زيارتي لقريتي (Diesselbach – Obsee ) في طريقي إلى لوزيرن


الزمان : قبيل بزوغ الفجر…المكان : غرفة مترامية الأطراف في الدور الثامن من فندق متربولي في إنترلاكن…الحال : الكون يلبس ثوب الهدوء…ماعدا بعض الأزيز الذي يبعثه صوت غليان القهوة في الدلة الكهربائية…فتنشر رائحتها القوية في أرجاء الغرفة…فتملئ كل جزيئات الغرفة برائحة القهوة و الهيل… فتبدأ رائحة القهوة النفاثة تتصارع مع نسمات الهواء القادمة من النافذة …لعل أحدهما يسيطر على أجواء الغرفة … وفي خضم التزاحم و التصارع على الأجواء تتعالى فقاعات القهوة في الدلة الغاضبة…فما تلبث إلا أن ترمي زبدها خارج حدودها….معلنة النهاية

لملمت أغراضي…و التي بدت مبعثرة في كل مكان…و أخذت أنظر إليها …و هي تنظر إلي ….و تتحين الفرصة لتأخذ دورها للاصطفاف في أماكنها المخصصة لها…و ركوب قطار الرحيل و الترحال…كم تشتكي هذه الأغراض العناء من شاب يسومها سوم العذاب…فهو ينقل أكبر قدر منها …و لا يستخدم إلا القليل منها…جمعت ما يوضع في الحقيبة…فملأت به بطنها بدون ترتيب… ثم سحبت عليها بسحاب غليظ…أخذت الملابس المعلقة… فانتقيت ملابس اليوم… و فرزت الملابس المستخدمة …ثم حشرتها بحقيبة الملابس المتسخة …تبقى شيئاً واحداً …أغرض المأكل و المشرب…وضعت الشاي و القهوة في حافظاتهما…و انتقيت مايمكن أن يؤكل بوقته…و استبقيت بعضها الذي يخشى من فوات وقته…ثم نظرت إلى الغرفة مرة أخرى نظرة فاحصة لعلي أجد شيئاً هارباً …أو قطعاً قد وضعتها في غير موضعها …لعلي أسحبها مع أذنها و أعيدها لموقعها…و ذلك لعلمي أن الجميع له رغبة البقاء في انترلاكن….حاولت أن أعيد ترتيب الغرفة كما استلمتها …و لكن هيهات أن يقوم بهذا العمل الرجال على أكمل حال…و لكن مالا يدرك كله لا يترك جله…سألت نفسي …هل بقي شيء؟…و كأني أخاطب أحداً معي…فلم أجيب مباشرة…بل نظرت على من حولي ثم تفقدت الغرفة …فرددت الجواب على نفسي….لا… لم يبقى شيء؟…أديت صلاة الفجر و سنتها… سنة الفجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها” رواه مسلم ….ثم جلست برهة حتى قرأت أذكار الصلاة و الصباح…ثم سحبت الحقائب من أطرافها و وضعتها عند باب الغرفة من الداخل…ثم أخذت الثياب المعلقة و علقتها على علاقة في الباب…و أخذت معي ترامس القهوة و الشاي…و جلست أنا و إياهم في زاوية من الغرفة..حتى يتسنى أن أحتسي فنجالاً قبل الرحيل ( عفواً هي فناجيل )…سكبت القهوة في فنجالنا العربي الصغير…فبدأ ينفث دخانه من فمه الجميل…قربت التميرات و كل الموجودات من البسكويتات مما أختلط بالحلويات…و بهدوء…بدأت أنظر كيف يأكل النور الظلام…و كيف يبزغ الفجر …و تسيطر أشعة الصبح على ظلام الليل…و أشاهد كيف يغلب الخيط الأبيض الخيط الأسود…مددت يدي فأزحت بقية الستارة التي تغطي نافذة كبيرة بكامل واجهة الغرفة…نظرت إلى بيوت المدينة و كيف تضاء غرفها واحدة تلو الأخرى…و الشوارع كيف تصطف في أطرافها السيارات الواقفة…و الأشجار كيف ترسم شكلها على الأرض بفعل أعمدة الكهرباء المضاءة….و الحديقة الكبيرة و كيف تحولت إلى ساحة فارغة…بعد أن كانت تزدحم بالحركة الدائمة…ثم أقلب نظري هناك…حيث تقف الجبال العظيمة على محيط المدينة …و كيف قد بدأت سوداء مخيفة …نسمات من نسيم الصباح تحرك وريقات على الطاولة فتعيد لي حضوري إلى غرفتي…فأنتبه أن بخار القهوة قد بدأ يقصر طوله…أخذته و ارتشفته على مهل..و تأملت كم هو مر طعم هذه القهوة ؟…و كيف نتجرعها و بكثرة ؟…و لماذا هذا اليوم بالذات تبدو لي القهوة بهذا الطعم الغريب…فقد عرفت نفسي منذ نعومة أظفاري مدمن عليها…و توارثها أبنائي مني…حتى بنيتي الصغيرة و التي لم تتجاوز الثالثة…دائماً ما تقول : قحوة…إشارة لرغبتها بجرعة كيف تعدل مزاجها من زحمة الحياة المضطربة في حياتها و مشاجراتها مع أخوتها…لقد أحسست بمرارة تنتشر بحلقي مع أول فنجال من قهوة الصباح…و لا أعلم هل هي القهوة أصابتني بمرارتها ؟…أم أن مرارة الغربة هي التي صبغت و أثرت على قهوتي الحلوة !!…تجرعتها…و تجرعت معها كثيراً من الآهات…حاولت أن أصنع لنفسي جواً جديداً من الضجيج..أصنعه حتى تهرب مني الأفكار التي تقدم إلي مع كل رحيل…وتزحف إلى صدري عند كل وداع…و تبحث عن مكان تعشش فيه بذهني في مثل هذا الموقف …

أكلت وتري من التميرات…ثم أتبعتها ببعض الحلويات و التي هي بداية برنامجي الغذائي لهذا اليوم…و من الممكن أن تكون هل كل برنامجي الغذائي لكل اليوم…مع الفنجال الثالث من العلقم…توقفت عن طلب المزيد من القهوة…فقررت الرحيل…بعد أن بانت حدود الجبال المحيطة…و بدأت أشعة الشمس ترسل شيئاً بسيط من أشعتها…و أحسست بشيء من الحركة تؤثر بالمحيط…حقيبتي علقتها على كتفي…و أغراض القهوة و الشاي بيدي…و ثيابي مسدله على ظهري….نزلت إلى الاستقبال فلم يستغرب شكلي …فقد اعتاد هذا الموظف الذي يستلم وردية النهار أن يصبح عليه هذا الشاب العربي كأول نازل ينزل مع البكور…ابتسامة يظهرها على وجهه الأبيض قد وجدها من بين تعابير مزدحمة داخل إنسان قد اثر السهر على جسمه…فظهرت في أولها ابتسامة و آخرها كتثاؤب لا يملك معه إلى أن يضع يده على فمه…قابلت ابتسامته بثلاث أشياء ابتسامة مماثلة و مفتاح الغرفة و بطاقة الصرافة …و أتبعتها بكلمة مضافة وهي طلب تشييك الخروج…أخذ يبحث عن ابتسامة أخرى لعله يرسلها بالمقابل…فلعله وجد واحدة أقل من أختها…هي لحظات حتى وقعت الخروج من الفندق…و ودعت صالة الاستقبال…و انفتح الباب الخارجي و بدأ لي الجو من حولي شديد البرودة…فجمدت تلك النسمات الباردة كل مشاعر الحزن في قلبي…نظرت إلى المواقف لأبحث عني سيارتي و التي باتت مبكراً مع صاحبها…و جدتها في مكانها المعهود…هادئة …وادعة…مستسلمة…تنظر إلى صاحبها تحت قطرات المطر التي تنزل عليها كل حين…أحسست بحب لها…و لا تستغربوا…فعندما تودع أشياء محببة و تبقى معك أشياء أخرى…فإن قلبك يتعلق أكثر بما تبقى…ركبت السيارة و نظرت إلى أطول المباني في إنترلاكن و هو فندقي…فودعته بنظرة تحمل في طياتها أكمل ذكرى و أجمل لحظة….خرجت من المواقف إلى شوارع المدينة فوجدتها خالية تترقب…و تفكرت كيف لهذه الشوارع و الممرات التي كانت بالأمس مزدحمة ضيقة تكون اليوم فارغة متسعة….و كيف تنقلب الحياة و الضجيج إلى حالة شبه الموت و السكون…أنين محرك السيارة و صوت سيدة جهاز الملاحة يُقطع السكون في تلك اللحظة…المؤشر يكتب أسماء أقرب المدن…برهة من التقلب في شوارع المدينة الصغيرة….حتى بدأت منازلها تختفي واحداً تلو الآخر…و الطرق المؤدي إلى لوزيرن بدأ يتعرج…و سواده بدأ يخط طريقه في جبال شم عالية….و الطقس يشتد ببرودته …و الأمطار تزداد بهطولها…و مع الصباح أخذت الأرض من حولي زخرفها…في تلك الطرق الخالية ….و الأنفاق الطويلة… و السحب الداكنة يعتقد المرء أن لباس الليل لم ينخلع بعد…و أن النهار قد تأخر قدومه…فمنظر الطبيعة في الظلام لا يبعث في النفس السرور…و لا يحرك مكان الجمال…بقيت صورة البحيرة في مرآة السيارة و في الذاكرة…و ارتفع الطريق فوق جبل عظيم سد علينا الأفق..و بدأت تروس محراكات السيارة تجاهد من أجل الارتقاء الصعب…و تنفث من جوفها بدخان كثيف…ابتعد عن الأرض و اقترب من السماء…ويزداد الظلام و يقل الضياء…مطر يهطل …و أشجار تنشر الظلام و الظل…و سحب تقبل و تدبر…و ترعد و تبرق و تمطر…سماء تتلون …و أرض تتغير…و طقس يتبدل…و نفس تتقلب…و جبال تنبأ أن ما وراءها أعظم…شققت الطريق بقلب الواثق…واصلت المسير و قلبي يتطلع لما وراء تلك الجبال…و جهاد مستمر بين مرتفعات الجبال و تحت هطول الأمطار…لم يكن أنيسي في ذلك الصبح الباكر سوى آيات يترنم بها الشيخ ناصر القطامي بصوت جميل …و بجانبي كوب من الشاي يخفف بدفئه من روع ذلك الشاب المسكين….فعيناه ترقبان المنعطفات و ما خلفها…و تنظران الأنوار القادمة و تخشى خطرها…و تتوقعان أي مفاجأة مع كل ارتفاع أو هبوط…سرت كيلوات معدودة …لا ترى فيها أي شعاع أو صورة سيارة…فالوقت كان مبكراً…و الطقس غير مشجعاً…فاكتفوا الناس عن السير في مثل هذا الطريق…و عندما يستقيم بي الطريق بعض الشيء ..أمد نظري و افحص سبيلي…و ألتقط أنفاسي…و أتناول كوبي…و أرفعه و بدون شعور …لأبحث عن فمي…و عندما يصل إلي أمز منه رشفه…تنعش الجسم كله من أخمص قدمي إلى رأسه….

المسافة بين إنترلاكن و لوزيرن لم تكن بالمسافة الطويلة في عرف أبناء السعودية ( 100 كيلوا تقريباً )..و لا في عرف الطبيعة الجميلة…و لكن وعورة الجبال و سوء الأحوال جعلت قطع تلك المسافة بالمدة المحددة في وقتها من المحال..كان مقصدي الأول هي قرييتين صغيرتين أتوقف عندهما لألتقط أنفاسي…ثم أعاود المسير إلى لوزيرن…و المسافة بين تلك القرى وإنترلاكن تقدر بـ 30 كيلوا متر..واسمهما (Diesselbach – Obsee )

فبعد أن استقريت على ظهر الجبال…و أصبحت أسير مطمئن البال…إذ هناك لوحة إرشادية سياحية…رسمت عليها خارطة لمدينة صغيرة…و هما قريتي (Diesselbach – Obsee )….

نظرت من بين الأشجار و السحب التي تحيط بي…فأمعنت النظر…فإذ الجمال هناك في القاع ساكن…و إذ الحسن قد اتكأ على جبال تزينت بها الطبيعة…فصارت الجبال من خلفها….والبحيرة من أمامها….و الأنهار تمر بين يديها ….و الشلالات تتنزل عليها….


إنها قرية صغيرة…أو قل بيوت مصفوفة بطريقة جميلة…أو لنحسن التعبير…فهن عرائس مزدانة لخطاب الطبيعة …من تحت مظلتي و قطرات المطر تهطل من حولي…و الأشجار تحيط بي…و الهواء في المرتفعات يرفرف بالأغصان… فيلقي وريقاتها …و ينثر ماتجمع من حبيبات المطر التي قد علقت بها…

نظرت إليها و تأملتها…فخلتها كلوحة رسمها الباري في تلك الدياري…لوحة من خلق الله سبحانه و تعالى لا ترى لها مثيلاً على الأرض….فسبحان الله تتردد…و سبحان الخالق بها اللسان يلهج…و سبحان الله ما أعظمك…ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار…ربي إن أسألك الفردوس الأعلى …لنا و لمن نحب و يحبنا …آمين ..آمين…آمين

نزلت من الجبل … من منحدر لمنحدر…بسهولة و يسر….كأني قطرة تنسل من فم سقاء……يفصلني عبر ذلك الطريق عن تلك القرية جمع من الأشجار منتشرة ثم تظهر تلك القرية فجأة…و تختفي كما ظهرت فجأة…

و أجد من بين تلك الأغصان …بيوت مزدانة …فكأن أهلها قد اختاروا أن يسكنوا لوحدهم في حضن الطبيعة…فرش العشب أرضهم…والأشجار هي سورهم…و السماء هي سقفهم…بدأت ابحث عن مخرج لتلك العروس لألقي عليها التحية…و أقول لها : سُعد من رماه حظه بين يديك…

أنزل للقاع بعد أن كنت في المرتفع…فإذا الجمال أروع …و ما كان بعيداً عني فالآن بين يدي…نظرت نظرة فاحصة و تساءلت من أين تكون البداية ؟….فوجدت أن خير البدايات هي من أرض الشلالات…نزلت إلى تلك الأرض على حين غفلة من أهلها عبر طرق شديد’ ضيقة ممراتها..تكاد الحواجز الخشبية للبيوت تحتك بأطراف سيارتي…كان الصبح هناك قد غطاه سواد السحاب…و الحركة قد قيدتها برودة الجو…

فلا حس ولا خبر لأهل تلك القرية…فأصبحت أتنقل بين بيوتها…وأمر من جانب محلاتها…و أتمعن بطبيعتها…لوحدي…أوكأنها أفرغت لي..لا يحرك ذلك السكون سوى رياح بسيطة تحرك الشجيرات..أو دخان متطاير من مداخن البيوت حين تنفث دخان النار التي تجمع أهلها حولها …و هم ينتظرون حتى تنفك عنهم الأمطار… أو تخف عنهم شدة الجو…فيخرجوا ليستمتعوا بقريتهم و ما حوت طبيعتهم…

هناك و تحت الشلال…حيث يسكن حوله أكواخ…و قد أحيطت تلك الأكواخ بسياج…و كل كوخ علت في ساحته شجرة عظيمة…تحتها بقايا من معدة…و حطب قد قُطع و أحسن صفه…و محراث بالأرض قد أنشب أسنانه …و أشياء كثيرة هي بنظرنا أشياء خربة…ولكن من جمال الطبيعة قد صارت كأجمل تحفة…و من حوله حظيرة فوق حواجزها قد وقف طير… و من حوله دجاج بأجنحته يحاول أن يطير…وقطيع في الأرض يرتع …و خيل قد شد بخيط وبإحكام قد ربط بجذع…

و هناك كوخ بعيد لفلاح مجتهد قد استيقظ مبكراً وكل من حوله قد رقد.. بجانبه كوخه أكوام كثيرة…هي مستودع محصلوه…و مكان أعماله…فمأكلهم يجنونه من أرضيها و ما تنبته من أطايب ثمارها من أنواع متعددة و متنوعة من خضروات وفواكه و بقول و حبوب و أشياء استحسن شكلها و لا أعرف اسمها…و من هذه المزرعة يكتمل غذاؤهم بما يستخلصونه من أبقارهم و التي اشتهرت به تلك المنطقة …فهي تتجول و ترتع وبالطبيعة تستمتع …فأكلت من أطايبها و تمتعت بحسنها فأنتجت شراباً سائغاً طيباً مباركاً… فمنه الحليب الصافي و اللبن اللذيذ و الزبدة الشهية و اللحم الطَعِم…فمن تلك الأطعمة تزدان موائدهم…و من ذلك الأكل الطيب تطيب أجسامهم…و من ذيك الطبيعة الحسنة يعتدل مزاجهم…و من الهواء العليل يصفوا فكرهم…فهم من نعمة لنعمة يتقلبون…فهل هم لمُنزلها شاكرون ؟…. فاللهم أجعلنا من الشاكرين .

و كلما أشاهد هذه الأشياء الجميلة…تظهر أمامي ابتسامة أخي الساخرة ( و الساحرة ) ..و هو يلقي علي سؤاله المعتاد قبل كل سفرة ….فيقول : ضاحكاً و هو يعلم الجواب مسبقاً…هل سوف تسافر هذه المرة أيضاً لوحدك ؟… أقول له : لا…ولا أدع مجالاً لعلامات التعجب أن تنتشر على محياه…بل أكملت حتى لا يفرح بجوابي…و أقول له : سوف تسافر معي نفسي المتأملة…و روحي المغامرة… سوف أضع أيديهم بيدي…ونجوب مناطق عديدة …سواءً مناطق جديد أو قديمة…فسيان الأمر في ذلك…فمن كانت نفسه المتأملة له مرافقة…فسوف يجد الأنس هناك…أبسط تأملاتي على سفوح الجبال هناك… فتأخذ من أعاليها صفاء الجليد..و من أوسطها جمال الخضرة و الربيع …

وسوف تصعد نفسي المتأملة للربى و الوهاد و السحاب و تهبط مع الأنهار و الشلالات و القطرات و تنساب…و عندما يتعبها الترحال ترقد على الأوراق و الأغصان مع الطيور و الزهور و الثمار..

و عندما تريد نفسي أن تبوح بالمكنون.. تردد الصوت بين الصخور ..و تحلق مع الطيور …و ترفرف بأجنحتها مع البكور…أخي…لن أعيش لوحدي…بل لن أعيش لنفسي فقط…بل سوف أعيش مع أناس و إن لم تربطيني بهم وصال …فسوف أرسلها إلى كل من يقابلني في طرقات حياتي… لترسم ابتسامة على وجهٍ وضاء خانته أيامه …

سوف أنشد لحناً مسلياً من زقزقة الطيور لمن سكب دموعاً حزينة فتواسي كل حزين في أرجاء المدينة…فسوف تتجول نفسي الرطبة فتنزل على الخدود فتقبلها ….و على الثغور فتستنشقها … و تسكن في الصدور فتمدها بدفء عظيم… و سوف أبثها عبر النسيم لكل المحيط…و سوف تنزل على الزهر لتنافس النحل على الرحيق… أو لتمتصها النحل فتكون جزءً من حلو شهده…

و اليوم بين هذه الطبيعة..هل ترى أخي أجمل من أن تجلس أنت و نفسك المتأملة على تلك البقاع…و أن تسرح بعيداً …بعيداً…بعيداً…حيث لا حد و لا نهاية مع هذه التأملات …إلا نهاية اليقين بأن الله عظيم…

و الصمت يخيم …طويلاً … طويلاً…إلا من صوت الطبيعة التي حولك من خريرها و نسيمها و زقزقة طيورها…و حفيف أشجارها و رحيق أزهارها و انحدار أنهارها و خشخشة أوراقها…أليس هذا أجمل صوت يؤنس…و صديق يطلب…و راحة يسعى إليها ….

أخي…ضع يدك في يدي في جولتي هذه و أنظر بنفسك هل تحتاج لمرافق عندما ترافقك تأملاتك في أرض الطبيعة..

إنني لأسير و أتجول و المناظر تحيط بي…و لا أجد وقت لأقلب عيني…فالمشاهد تتزاحم…و الصور تتجمل…و الأرض تتبختر …و كل شيء ينطق بالجمال…

أنظر إلى البعيد..فأجد هناك قرية لبست ثوب الطبيعة…فتقدمت لها و أزحت عن وجهها خصلات كثيفة….لتبدو لي أنوار الحسن الفريدة…فهل تكفيني نظرة من الجمال…أو رشفة من كأس العشق…

إنني أخطو ..خطوة تلو الخطوة ….على مربعات من الحجر مصطفة…حتى أصل إلى ساحل ممتد قد بان لي حدة …و أتأمل ما يكون بين ارتفاع الجبال و انبساط الأرض من خضرة…و ما بين بحيرات الأرض و سقف السماء من زرقة……فسبحان من خلقه و سبحان من صوره

و عندما أصل إلى الساحل..سوف أعبر بوابة صغيرة..من فوقها أشجار عظيمة…و أنزل درجات منتظمة ..حتى أصل إلى تلك البحيرة…

.

و سوف أقفز من صخرٍ لصخر…و ارمي حجراً إلى سطح البحر…لتنشأ دوائر تتكابر أمامي عيني لعلها تخبرني بأني في عالم حق وليس في الأمر سحر….

أقترب من الساحل…فأجد بيتاً جاهزاً قد شدت قوائمه…وهو بيت مؤقت لرحال مر على تلك الديار…قد أختار منزله هناك…فكان الباب يقابل البحيرة…فمنها يُصبح على البحيرة مع انتشار خيوط شمسها …ويُمسي عليها عند تلملم الشمس أشعتها بغروبها…

و في الجانب الآخر هناك نافذة مطلة على الجبل وما يحتويه من مناظر جميلة …و ما يحتويه من مظاهر مختلفة …و من طبيعة هي ليست كمثلها طبيعة…ولم يكتفي هذا الرحال بهذا الباب و تلك النافذة..

بل كانت له نافذة تطل على المدينة الصغيرة… فينظر كل حين لحركة أهلها …وهم يترددون و ينتقلون ويسيرون ويتحركون…بأقدامهم أو سياراتهم أو معداتهم أو حافلاتهم …فله أن يختار …ما يعجبه فيقطفه…وله أن يصطاد المناظر التي يستحسنها فيستمتع بها…

و عندما يتذوق من الحسن كله من تلك المنافذ…فهو يركض مسرعاً…إلى البحيرة …فيضع أقدامه في شواطئها…و يرمي سنارته في قعرها…و من حوله كانون قد تأججت نارها …فهي تنتظر متى سيقدم إليها طعامها…فتصليه بنارها…و يصطفوا عليه أصحابه…

فهل انتهت المتعة…أو توقف العشاق عن نصب بيوتهم…أو النزول بأماكن المخيمات المنتشرة هناك…لا …لم ينتهي الحب…فكل نفس وما تعشق…فذاك قد اختار أن يتوحد بنفسه ( من الممكن أن يكون نسيم سويسرا ) …

و أن يجلس على رمال ساحل بحيرته …فيكون بعيداً عمن حوله…يقلب تأملاته…ويتذكر جميل ذكرياته…و يستعيد صافي أيامه..فتمده الطبيعة بالخيال الواسع…وتعطيه الحب الذي يكفي ليعيش أيام السعد بأفضل صورة …

خرجت بتأملاتي من الساحل إلى البحر …فأبحرت في البحيرة…لأخوض عبابها…و ألمس ماؤها …

و أعيش كافة أماكنها و أتحسس جمالها…ساحلها …و قعرها…و صفيحتها…قريبها…وبعيدها …فمن هناك …أنظر إلى قريتي من منظر جديد… يجعل الأرض تظهر لي من بعيد بشكل جميل…كأجمل جميلة..

لقد تهيأ لي أن أرى الحسن من كل جوانبه…فتحن نفسي للعودة إلى أرضي المعشبة…و اشتاق للقياها…

فأعود من بحيرتي مسرعاً…وأعود إلى ساحل الآمان…و أعيش على أطراف بحيرتي الصغيرة…و في كوخي الصغير…و أبدأ بنظم أشعاري …

ودعت تلك القرية الجميلة…و أودعت في ثناياها ذكريات جميلة…و أكملت طريقي..

و تركت من خلفي دموع تسيل…و سحب في الفضاء تطير….

لحظات بسيطة حتى بدأت الصور تصغر…وتصغر..وحبها في قلبي …يكبر…و يكبر…

أردت أن أخرج من هذا الجو الحزين…نظرت إلى قائمة الطعام الي تحتويها سيارتي…وجدت أنواع فاخرة و أجهزة تساعد في السياحة وبعضها مخصص للملاحة و بعضها للنفس راحة ….ولكن كل هذه لأريدها …

بل اخترت قطعة خبز سويسرية…كنت قد أنشبت أسناني بها من قبل…فهي لها مفعول السحر..في نسيان الهم و البعد عن الغم…فمع كل عضه أحس أنني كمن يندب حظه…أن ترك حبيبه وفارقه…دفعت تلك اللقيمات ببضع رشفات…و أبقيت بعض الخبيزات…حتى وقت أخر من أوقات الوداع الحزينة لكي أقضمها قضمات هن للحزن منسيات …وسوف نكمل في حلقة أخرى بقية القصة عن لوزيرن البحيرة والمدينة

و تخبزون على خير…آسف قصدي…تصبحون على خير…

نسيم نجد

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

انترلاكن السويسرية حيث سحر الطبيعة

إنترلاكن الفاتنة فتاة السويسرا الرائعة هل من سمع عن تلك الفتاة يخذُل عن لقياها ؟…و …

3 تعليقات

  1. وائل الدغفق-رحال الخبر

    تضل تقاريرك تأملية بجدارة وتحمل بصمة النسيم المحب لكل نسيم ولاسمك عنوان…
    نسيم نجد الصافية الى نسيم الطبيعة الوافية كلها نسمات وبوصفك تألقت الكلمات وتنوعت الابداعات لتنقلنا من حال الى حال وهذه ملكة لايتقنها سوى اهل النسيم الحر وبه يتنقلون ومن عبقه يخرجون الطعم واللون والصوت…
    تحية لنسائم الطبيعة ولنسيم النسائم نسيم نجد.
    اخوك ابو ابراهيم

  2. نسيم نجد

    أخي الحبيب ..
    و رحالنا الخبير..
    و استاذنا القدير..
    كل ما أخشاه عندما أكتب أن يمر على حروفي أمثالكم. من أهل الفضل و المعرفة فيتحولون بين حروفي الضعيفة , فتأمرهم أنفسهم الكريمة بأن تلبسني أكبر مما أستحق , أو تصفني بأعظمم مما أكون ..
    كل ذلك أخشاه..
    و لكن أيضاً يفرحني عندما أراه , فهذه شهادة أستاذ..
    و حضور معلم..
    و توجيهات خبير ..
    و كلمات أديب..
    فالفخر في نفسي يشاطر الحزن..
    بارك الله فيك أخي الحبيب على جميل مرورك الكريم ..

  3. .. يا بشر ما أجمل الطبيعة واللون الأخضر الذي يريح الأعصاب وهدوء النفس الذي ينبئ بالسلام والطمأنينة …
    يل بشر يا أولاد آدم وحواء .. انشروا النباتات والزروع واللون الأخضر وابنوا الأخواخ الصحية من الأخشاب بين أحضان الطبيعة..
    .. انشروا السلام والأمان وعيشوه في الأرض وفي نور الجمال والوئام…
    … يا بشر يا أولاد آدم وحواء انسوا الضغائن والحروب والهيمنة الكاذبة التي تعود بالضرر على الجميع…..
    … اصنعوا تكنولوجيا جديدة صديقة للبيئة… حرام تدمير البيئة .. حافظوا على الطبيعة فعند الفجر وفي الصباح والضحى حتى غياب الشمس يبعث النبات الأخضر (أكسجين) الحياة… النباتات بكافة أنواعها رئة الأرض فأكثروا منها
    .. جاهدوا الشر وانشروا الخير واعملوا جاهدين على نشر السلام والوئام بين كافة أنحاء الأرض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *