حتى نخرج من ظلام الغمة

حتى نخرج من ظلام الغمة

 

اعصار

إن المتأمل لواقع الحال للسنوات الماضية القريبة إلى يومنا هذا . يجد أن هناك مؤثرات عدة قد أثرت على الفرد و بالتالي أثرت على المجتمع بأجمعه . فمحن , و ابتلاءات مختلفة نزلت علينا من كل جهة . بدءً من مساهمات عقارية مكذوبة قدم فيها الناس كل ما يملكون و يختزنون من ثروات العمر . إلى مساهمات في أسواق البورصة رفعت أقواماً لم يحلموا بأن يكون من أصحاب الدرهم و الدينار , و وضعت أقواماً تحت مستوى الفقر من التجار و ممن يشار إليهم في سابق العهد بالبنان . و لم نكد ننتهي من تلك الأزمتين حتى أتتنا صدمة أخرى , و هي أكبر و أعم و أطم من أختها . وهي غلاءٌ فاحش في الأسعار , و تحكم بقوت أهل البلد من قِبل بعض التجار. فاشتعلت النار في كل مكان , فامتدت ألسنة لهيبها حتى أكلت الأخضر و اليابس . و هل وقف الأمر عند هذا الحد ؟.. لا ..بل أمتد أكثر ..ليصل إلى بهيمة الأنعام . فمن بعد احتفالات التفاخر بالسلالات من الإبل و تباهي أهلها بأسعارها الخرافية في ميادين المزايين , تأتي هذه المرة قاصمة الظهر على أربابها فتَنفُق الإبل في أماكن عديدة . فيخسر أناسٌ كُثرْ أبِلهم في ظرف أيام عدة. و لم ينتهي الأمر هنا , بل إن البلاء نزل هذه المرة من السماء , فكانت الطيور المهاجرة سبباً لأن ينزل قضاء الله و قدره فتصاب الملايين من الدواجن في محاضنها , ففنيت تلك المزارع و خلفت خلفها خسائر جسيمة . و هل كانت هذه المحنة هي الأخيرة ؟ …لا…. بل لحكمة أرادها الله سبحانه و تعالى و لا راد لحكمه , أتتنا من الشمال موجة عنيفة من البرد لم نشهد لها من قبل مثيلاً , فأهلكت الحرث و الزرع , و آلمت الفقير , و أثرت على المسن الكبير , فكان نتاجها آلام و أحزان لعدة أيام , حتى أن أثرها قد نزل على بعض البشر , فمنهم من قضى نحبه , و منهم من وصل له لطف الله قبل أن يحل به القدر , و هل كانت هذه هي نهاية المآسي و الآلام ؟ .. لا بل ..مُنعنا القطر هذه السنة و بشكل نرجو الله معه المغفرة و الرحمة , حيث أجدبت الأرض من العشب , و جفت الآبار من الماء , فكان أثرها كبير , و فحوا هذا الأمر لمن تدبر عظيم , فوصل هذا الأثر إلى الناجي من البهائم . فمن كتب الله لها عمراً و نجت من النفوق , أو البرد , أو الأنفلونزا الطيور . فإنها لم تسلم من أثر تأخر نزول المطر .فالبهائم لم تجد ما تأكله بعدما أجدبت المراعي . فهزلت و أشرفت على الموت , و خاصة أن بعض تجار الدرهم و الدينار وجدوها فرصة , فوصلت أيديهم الجشعة لتتنافس على مأكل تلك البهائم الضعيفة , فأرتفع الكلأ المعروض بالأسواق أضعاف مضاعفة فاحتار أهل تربية الماشية بماشيتهم . فأصبح أرباب البهائم و البهائم يعيشون اليوم بين قحط الأرض و تسلط أهل الأرض , فنسألك اللهم الرحمة بنا و بها يارب الأرض و السماء . هذه همومنا التي بين أيدينا , و نلمسها كل يوم . أما هموم الأمة فهي أكثر ألماً , و أشد بلاءً , و هي محن يتقطع القلب منها كل لحظة . ففي العراق أشلاء و دماء , و في فلسطين قتيل و تشريد و هدم . و هنا و هناك أصوات تستغيث في كل حين من ظلم المتسلطين …فرحماك.. رحماك ربنا .
مع هذه الابتلاءات كان لزاماً أن يُدرس الأمر , و أن يخضع الحدث للتداول و الرأي .فجئنا بقضنا وقضيضنا , و استعنا بكل محلل عليم , لندرس تلك التداعيات التي هبت علينا من كل حدب و صوب .فقرأنا التغيرات الاقتصادية في العالم و أثرها على المجتمعات , و قرأنا مؤشرات الأسهم العالمية و تداعياتها على المنطقة , و قرأنا خرائط الطقس و التغيرات المناخية و تأثيرها على بلادنا , و قرأنا أسباب انتشار الأمراض و كيفية حماية ثرواتنا و أراضينا منها . و أتينا بكل القراءات لنبحث في جوانبها عن أسباب تلك الابتلاءات , و هذا حقٌ و عمل بالأسباب , و لكن هل قرأنا شيئاً مهماً ؟! .فهل قرأنا قوله تعالى(52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) سورة الأنفال. و هل قرأنا قوله تعالى : (29) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30). و هل قرأنا قول الرسول صلى الله عليه و سلم ( لم يمنع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، و لولا البهائم لم يمطروا ) صحح الجامع . فهل قرأناها بتأمل و تدبر ؟ و هل كانت في محل تفكر بها و عمل بمحكمها ؟ أسئلة تحتاج للمرء أن يصدق مع ربه و مع نفسه عند الإجابة عليها .
إخوتي .. إن في مثل هذه الرياح العاتية ..لعبرة للمعتبرين , و آية للمتفكرين , و محلٌ لاختبار الأيمان بالقضاء و القدر , و فرصة لتفحص اليقين , و البحث عن مكانة التوكل في قلوب المؤمنين . هي محنة تحمل منحة لمن صبر و أستغفر , و هي محنة و بلاء و أثم لمن تضجر أو كان سبباً في نزولها من أصاب الوزر ثم تولى و أستكبر . فأسأل الله لنا السداد و الرشاد , و أن يخرج الله الأمة من ظلمة هذه الغمة.
 
 

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

هل حقاَ مات العرب المسافرون؟

أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده (رماني).. وأسقيه من عذب حروفي فلما تعلم الحرف …

4 تعليقات

  1. إيمـــا..,,

    اللهم آمين
    صدقت اخي بما خطته يمناك
    مقاله رائعه و مؤثرة و الأروع انها تتضمن دلائل من القرآن الكريم
    بارك الله فيك
    ووهبك جبالاً من الحسنات

  2. أختي الفاضلة / إيمـــا..,,
    بارك الله فيك وجزاك الله خيراً ..
    و رفع قدرك و أعلى منزلتك..
    جزيت خيراً على متابعتك..
    ونسأل الله لكم التوفيق والسداد

  3. أسأل الله العظيم أن يكشف ما بنا
    من داء وبلاء وحروب وغلاء وجدب
    ..

    أحوالنا
    كم أفزعت من آمنين !
    وكم أفقرت من أغنياء !
    وكم قطّعت من أواصر !
    كم قطّعت !

    ولله الأمر من قبل ومن بعد
    وله الحكمة البالغة ..

    نمكث الأيام والليالي في العجاج
    نؤمّل أن الرياح ستسوق الغيث
    يغسل ما أصابنا ..
    فإذا بها تسوق قطراتٍ تذكّرنا المطر
    ولا مطر !
    وتذكّرنا أننا ماقمنا بعهد الله ..
    فكيف نستغيث فنغاث ؟!!
    إن لم نعد إلى ربنا , فمتى نعود ؟

    لقد أجدت أخانا الفاضل في تجسيد واقع الابتلاء ..
    وبتنا لا نشك أن العودة إلى الله هو السبيل الذي لايغني عنه سبيل ..

    ربنا لا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا ..
    ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ..

    رحمتك أوسع بنا ربنا ..
    فقوّ ضعفنا
    واجبر كسرنا
    واشدد على عزائمنا
    فلا حول ولا قوة لنا إلا بك ..

    والحمدلله كثيرا ..
    الحمدلله

  4. أختنا الفاضلة / رحيل ~
    كتبت بكلمات ماعجزت عنه بسطور و صفحات..
    نعم..
    هو ماقلت ..
    و نسأل الله أن يفك عنا..
    و أن يهدينا سواء السبيل..
    و أن يسددنا بالقول و العمل..
    و أن يكتب لنا يقظة من السبات , و عمل يحيينا بعد الممات , و فهماً ينجينا من الكربات , و ثباتاً يتبعه ثبات حتى نتجاوز الصراط إلى الجنات .
    بورك فيك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *