سعودية وسط الأدغال الأفريقية ( 1 )

رحلة أختي الدعوية وسط الأدغال الأفريقية
البداية :
لم يكن الحب الذي يجمعني بها وليد اليوم فقط , ولا الود الذي يسبغ علاقتنا نتيجة الأمس فقط , بل هو مزيج منهما نشأ , فظهر عبقه بشكل جميل غريب , كان احتراماً و تقديراً و حباً , بل كان سحراً …فهو لم يكن محض إرادتي , بل سرقت حبي و احترامي و ودي من خفقات قلبي ، إنها أختي التي تكبرني بسنتين .

أبصرت بها صغيرة هادئة , لكن كانت علاقتي بها صاخبة , , فكنا طفلين متقاربين بالسن و متنافسين على كل شيء و متناحرين على أي شيء , كنت أنا الأصغر وبداخلي أني أنا الأكبر , فالمجتمع يجعل الذكر هو الأكبر مهما يكن و بغض النظر عن العمر . كنت أحب أن تُسمع كلماتي الرجولية الصغيرة خاصة عندما أرسلها بقوة إلى أختي الكبيرة . كل تلك الذكريات تمر كطيف سريع أمام عيني و أنا أحاول اليوم أن أكفر عن أخطاء الأمس , فاليوم أعود بالذاكرة إلى الوراء , و أتعجب كم تمضي السنون سريعة , و تتساقط ورقات العمر متلاحقة , و كيف ودعتنا تلك الأيام الخوالي من سني الصبا , أتذكر بيتنا الطيني القديم , و أتذكر جدتي التي كانت تنير جنبات البيت , و تظهر صورتنا مبتسمة و نحن حولها نتسابق لنيل رضاها و ذلك أملاً في عطاياها , و لقد كانت أختي هذه أقرب الأطفال وصولاً لجدتي , و استطاعت أن تنال جل رضاها و أن تحوز أغلب حبها , وكانت جدتي – رحمها الله – تُعرف بتدينها في البلدة , و حبها للخير , فنشأت تلك الصغيرة في ظلال جدة صائمة لله قائمة . لقد تأثرت تلك الصغيرة و تأثر الجميع من طاعتها , فالكل لا يذكر جدتنا إلا وهي في صورتها التي أعتدنا عليها في سجادتها تصلي لله راكعة ساجدة .
و في أيام الصيف في ذلك الزمن كنا ننام في فناء المنزل هروباً من الحر الشديد , فعندما أستيقظ من نومي في بعض اليالي و أبحث عن أخوتي على ضوء القمر تتراءى لي صورتها وهي واقفة بين يدي ربها تناجيه , وتتضرع إليه بوجل و خشوع , فلا أعلم كم تنام من الليل من كثرة قيامها لله . أما وقت الظهيرة ووقت الحر , فلا أتصورها إلا وقد بللت ثيابها بالماء لتتقي حرارة الشمس ليخفف عنها ظمئ صيامها , بل لقد كان لها طرق كثيرة بتغيير المنكر ما أمكنها ذلك , فكم دفعت جدتي لأختي الصغيرة مبلغاً من المال لتزيل الصور المرسومة على علب المعلبات التجارية , فتجلس أختي تحك كل الصورة بكل ما أوتيت من قوة , وجدتي تشجعها و تبذر حب أزلت المنكر بقلبها و بيدها . لقد كان يوماً حزين يوم أن علمنا بخبر وفاة جدتي – رحمها الله رحمة واسعة – , فأظلم البيت من بعد نور , وضاقت الأنفس من بعد سرور , وفقدنا الأنس في أرجاء البيت , وغابت المناجاة و صبغت بالكدر الحياة , وطويت سجادة لطالما عمرت بالصلاة , و أخذ هدوء الليل يبحث عن صوتها , ونور القمر يبحث عن مصباحها الذي تضيئه لتتلمس طريقها أثناء قيامها لصلاتها في ليلها , و النجوم تتساءل عن دموع طالما برقت في عينها , و الشمس تعتذر إليها من حرها الذي كانت تتبرد منه في صيامها , بل أن خيوط الشمس تبحث عن تلك العلامات التي وضعتها في فناء البيت لتستدل بها على مواقيت الصلاة , لقد غابت عن بيتنا تلك العابدة التي تملؤه تقرباً و طاعة , غابت تلك الشمس المضيئة و القمر المنير , فكم ستفقدها من يد فقير , و كم سيبكيها من قلب يتيم , و كم سوف تنتظرها عين حبيب , غابت و تركت أثراً كبيراً في نفوسنا لا يغيب , إنه المصاب الذي أصاب الجميع . أما مصاب أختي فكان أكبر , فهي التي اعتادت على ملازمتها , و على تلبية طلباتها , لقد رحلت عندما كانت أختي في السنة الخامسة عشر من عمرها , ومضت سنين ثقيلة لم تستطع أن تنسيها أو تنسينا تلك العابدة الزاهدة , وبعدها بسنوات تقدم من يخطب أختي بعد أن وصلت سن الزواج , و رحلت عنا إلى حياتها الزوجية الجديدة , رحلت و نحن ندعو لها بالتوفيق , ونحمل لها حباً لا نعرف متى منه نفيق .
لقد كان أثر جدتي على أختي واضحاً وأثر في شخصيتها , فسارت على آثار جدتي في كل شيء في حياتها و من بعد فراقها , فهي تبحث عن الأعمال الدعوية في كل مكان , و تحب أعمال الخير متى ما كان , وساعدها في ذلك كونها مدرسة مواد شرعية , فأصبحت تخالط الفتيات و تتعرف على همومهن و تعلم ما يكابدنه من مغريات العصر و فتن الزمان و صارت لهن كأخت بارة و شقيقة عليهن خائفة فحملت الخوف عليهن بين أجنح صدرها , بل وسارعت بأن تعمل لهن ما يرشهن لطريق السداد , فأقامت الجمعيات التوعوية , و الأنشطة الدعوية , وحلقات التحفيظ , و تعمل ليل نهار لخدمة هذا الدين , وتعاظمت المسؤوليات و زادت بعدما رزقت بالأولاد , و لكن لم يشغلها ذلك عن طريق النبوة , بل جعلت أبنائها مشاعل من نور يستضاء بهم في ظلام الليل الدامس , فكن بنياتها الصغيرات يقمن اللقاءات الدعوية , و الدروس المصغرة للطالبات , و استطاعت أن تهيئ الجو المناسب لزوجها الذي لا يفتر من السفر للخارج للدعوة إلى الله , فعشرات الدول و مئات القرى و المدن التي زارها , و الكثير من المناشط التي يتبناها في عمل دائم دؤوب لا يعرف الملل أو الكسل , فيستحقر المرء نفسه عندما يرى من أمثاله من الرجال و كيف يعملون لهذا الدين , همهم نصرت إخوانهم في كل مكان , و نحن عن الدين و إخواننا غافلون .
ذات مرة عندما كان زوجها يهم بالسفر لدولة كينيا من اجل المشاريع الدعوية , فكرت أختي أن تخوض غمار تجربة الدعوة إلى لله في أفريقيا , فكيف لها بذلك ؟ وهي التي لم تسافر قط لتلك الدول , أو كيف لها بذلك ؟ و هي التي قد رزقت بثلاث بنيات , فالسفر بهن خيار صعب , و تركهن أصعب , ولكن كان هناك باعث من داخلها , يملي عليها أن تخوض تجربة الدعوة إلى الله في أفريقيا , رغم العوائق و المثبطات التي تقف في طريقها , و أخيراً انتصر داعي الخير على كل داعي
و إليكم رحلت أختي الدعوية , في بلاد الأدغال الأفريقية( كينيا ) إليكم الحكاية من البداية حتى النهاية
تابعونا في حلقات متسلسلة إن شاء الله


الحلقة الثانية :

بداية الرحلة
نظرة أخيرة على بيتها المنيف , جالت ببصرها إلى أطرافه , فالسكون يحل بين جدرانه ..هدوء يحرك التأمل في وقت قاتل…فهل هو باعث الوداع الذي يحرك الأحاسيس حتى في الأشياء الجامدة فيصبغها بصبغة حزينة , فتتراءى لنا و كأنها تريد أن تبوح بشيء ما , أم أنه الصمت قد دخل بجلبابه الناعم و هو  يبحث في هذا العالم عن مكان ليحط رحاله فيه , فيجد زوايا بيوت المسافرين ملاذاً آمناً لمنامه , نظرت إلى أعماق بيتها و كأنها تريد أن ترسل السلام و الوداع لكل شيء , طأطأت برأسها فأرادت تنهي هذا الوادع الصامت …

لمست بيدها مفتاح الأنوار , فأحدث صوت إطفاء الكهرباء صوت مدوياً بين جدران الصمت , تتابعت المصابيح المغلقة , و لكن لابد أن يكون آخر الأنوار هو نهاية لمشوار و بداية لمشوار جديد من رحلة الحياة , حياة القلوب .

نعم لقد أطفأت آخر أنوار بيتها , و اشتعل نور الإيمان في قلبها , و أغلقت باب بيتها ففتحت أبواب النور في وجهها , و جلست في كرسيها المخصص في الطائرة , فقام هم الدعوة في نفسها .

هي و أطفالها في كراسيهم المخصصة على الطائرة المتجهة إلى نيروبي عبر توقف بسيط في مدينة أبوظبي , في رحلة كانت صامته , مبتدأها أول الليل , و منتهاها مقتبل النهار , و أثناء كل هذه الفترة الزمنية من التحليق تفكر بالمسافة التي تفصلها عن أرضٍ طالما تمنتها , أرض لم ترها و أحبتها , تسمع من بعيد نداءات أخواتها في تلك الأراضي , و أصواتهم تتمثل لها عبر حروف الدعاة الذين يمطرون الدوريات و المجلات و الأشرطة من هناك , يحكون قصصاً أغرب من الخيال عن احتياج المسلمين هناك لأيدي أخوتهم في بقاع العالم الإسلامي , و إن كان لصوت الدعاة أثر , فإن صوت زوجها الذي أمضى أكثر من ثلاثة عشر سنة متنقلاً وسط أدغال أفريقيا كان له أثراً أكبر , فكم تحدث لها و بحب عن تلك الرحلات , بل و كيف يقضون الليالي الطوال بين الغابات , و كيف أن زيارة واحدة لقرية توقد نور الهدى بين بيوتها , و أن رحلة واحدة بأيام معدودة تشعل نور الإسلام في فوانيس تلك البلدة , فتسلم القرية في طرفة عين , بل كيف أن التنافس و التسابق بين الدعاة للوصول إلى أطراف القارة و البحث بين جبالها و أدغالها و بين أنهارها و في أطراف مفازتها للظفر بالأجر , و كيف أن الفرحة و مشاعر الدعاة عند دخول أخ جديد إلى رحاب هذا الدين تنقض ما بالجسم من تعب و نصب تكبدته خلال تلك الرحلة , هو شعور غريب و عالم آخر لا يمكن أن أتصوره أنا أو يتصوره إنسان لم تلامس قدميه أرض تلك القارة .
يقطع تفكيرها صوت منادي الطائرة و هو يرحب بالمسافرين على متن رحلتهم , و صغيراتُها يمسكن ببعض الكتيبات و القصص و بعض اللعب , و هم في شغل لاهون , فتارة يتناقشون , وتارة أخرى يلعبون , و يمر عليهم ما يمر على الأطفال فيتشاجرون , و بعد كل حين يسألون ….

هل نحن ذاهبون إلى أبي ؟

فتجيب أمهم : بنعم ..

و لكن الأسئلة لا تنتهي , فيسألون : هل أبي ذهب إلى هناك للدعوة ؟

فتجيب الأم بجواب مقتضب كمن يريد أن يوقف سيل الأسئلة , نعم هو هناك للدعوة ..

و لكن الأطفال لا يملون الأسئلة فتقول أحداهن : هل نحن سوف نكون معه في الدعوة , فتجيب نعم .

فتسأل أصغرهم , أمي , أنا أريد أن أكون معكم بالدعوة , نعم و أنتِ كذلك ياحبيبتي ….

أسئلة بريئة تبحث عن أجوبة شافية لما يدور في صدورهم منذ أسابيع عدة . بعد مدة تهدأ عاصفة الأسئلة , و تمضي ساعات السفر ببطء فتطول عليها الرحلة , و يتسلل الملل إلى أطفالها , و بعدما انتهت الوجبات الخاصة بالركاب , أغلقت الأنوار , و هدأت الأصوات داخل الطائرة , فلا يسمع إلا صوت بعض الركاب يتهامسون , و شعاع الرائي يبعث ألوانه المختلفة عبر الظلام الطائرة , فتتقلب كبينة الطائرة بألوان الصور المبثوثة عبر الفلم الطويل الذي تبثه شركة الطيران عن أفريقيا بصوت مذيع غليظ , , و بدأ الجو الداخلي يتغير بالتدريج إلى جو إفريقي , فمع الأصوات و المناظر المبثوثة على شاشات الطائرة , و مع رائحة الأطعمة الأفريقية المقدمة من النادلات , و همس الأفارقة و الذي يوازي أصواتنا جهراً , و مع هذا الظلام الذي يضعك بمواجهة السواد الأفريقي الحالك , كل تلك الظروف تعطيك إحساساً بأنك قد صبغت بصبغة أفريقية جديدة غريبة .
أختي و بجانبها أخي يعيشون هذا التغير السريع , و لا يتذكرون عالمهم الأول إلا عندما يقطع أخي نظراته من المجلة التي بين يديه , فيتذكر مع أختي بعض ذكريات الحياة , و لا تطول بهم الذكريات , فإنما هي لحظات ثم يعود بهم الجو العام للصمت و الهدوء مرة أخرى , ومع هذا الهدوء و السكون أستسلم الأطفال للنوم , أما هي فبقيت لأحلامها و آمالها , تقلب صفحات حياتها , و كيف أن الأماني في طرق الحياة قريبة , و أن الأحلام قد بدت وشيكة , يعيدها من تفكيرها بعض المطبات الهوائية التي تجعلها تنظر إلى بنياتها , ثم تغرق من جديد بحلمها القديم .
تابعونا , في الحلقة القادمة , أول خطواتهم في القارة السوداء


الحقلة الثالثة:

أرض الأحلام

الأحلام التي حلقت عالياً في الفضاء ها هي الآن تستعد أن تلامس أرض الواقع , جرس التنبيه للعودة للمقاعد ينتشر في سماء الطائرة , و إعلان ربط الأحزمة للهبوط يبعثر السكون و يبعث الحركة لركاب الطائرة من جديد , الكل يستعد للهبوط , النظرات معلقة بالنوافذ , فتهتز الطائرة اهتزازات بسيطة نتيجة اختراقها ركام السحب في السماء الملبدة , و إذ هي لحظات فتبتلع السحب جسم الطائرة . أخفت تلك السحب أشعة الشمس المطلة عبر النوافذ , فلا يظهر من على النوافذ سوى سحب سوداء متراكمة تنزل الرعب في القلوب … و لكن لطف الله قريب …فإنما هي لحظات حتى تجاوزتها الطائرة و انقشعت الغيوم و الغمة ,
ظهرت الأرض من جديد , فبدت أرض خضراء , و غابات كثيفة تحيط بها , أما نيروبي العاصمة فتقبع وسطها … برج المراقبة في مطار نيروبي يظهر من بعيد , و الطائرة تقترب من مدرج الهبوط , و تبدأ بملامسة الأرض , صوت إطارات الطائرة يحتك بالأرض فيحدث ضجيجاً تضطرب له القلوب .

في هذه الوقت وصلت تهنئة الكابتن بالوصول بالسلامة معلنة الوصول إلى نيروبي بالسلامة… فإنتشر الفرح و السرور بين الركاب , أخذت الطائرة مسارها في المدرج حتى وصلت لبوابة صالة القدوم ,أنفتح باب الطائرة , ففتح باب للخير و الأجر لمن كان ينتظر تلك اللحظة , تم المرور من بين الجمارك و التفتيش بيسر و سهولة .. نظرات الأطفال و أمهم تبحث عن الغائب الذي ينتظرهم في أرض المطار , مئات الوجوه السمراء , تجعل من السهل أن تبحث بينها عن وجه ملامحه عربية , بحث الأطفال عن أبيهم فلم يلمحوه , تفحصوا تلك الوجوه فلم يجدوه , تابعت نظراتهم كل الصفوف المصطفة للاستقبال , و لم يجدوا بينهم أباهم , فما هي إلا لحظات , حتى نادى منادي من بعيد و من وسط الجموع السمراء بأسمائهم , نظروا إليه و لم يعرفوه بأعينهم , بل تقافزت إليه قلوبهم , صرخوا جميعاً إنه أبي , هو بملابس جديدة عليهم , إنه بزي أهل كينيا , تسابقوا إليه ليفوز أسعدهم بأول قبلة , ليفوز أسرعهم بأول حضن , ليفوزوا بتدفق الحنان المفقود منذ أيام , صوت أقدام الأطفال تدوي في المطار مع ملامستها أرضه الرخام  , أحضان , وقبل , و أسئلة , و أجوبة , وبسمات , و ضحكات , و آهات , و دموع اللقاء اختلطت بصوت بكاء الأطفال , فكانت كشرارة تقذفها نار الشوق بينهم , تماسكوا الأيدي , فخرجوا من المطار , ونظرات الأطفال لا تعلم , في أي ركن تتوقف , هل هي تنظر إلى تلك الوجوه الغريبة من حولهم ؟! , أم إلى تلك الملابس الجديدة عليهم ؟! أو تلك اللهجة العجيبة على مسامعهم ؟! أم ينظرون إلى أبيهم بشكله الجديد ؟! أو يتركون كل ذلك و ينثرون عليه آهات الحنين. ركبوا في سيارتهم , الزوج , و أخي في مقدمة السيارة , و في الخلف أختي , و بنياتها , دار محرك السيارة , و تقدمت في طرقات المدينة , فبعثت حركتها بعض الأتربة , فصارت كدوامة تتبع السيارة عبر المنحنيات المتعرجة , و أثار مرور السيارة السريع وريقات الشجر المتساقطة في أطراف الطرقات , فأبعدتها إلى الأرصفة القريبة , هي لحظات حتى غابت السيارة وسط الزحام , و تاهت وسط ألوان السيارات .

في داخل السيارة تجمع الأطفال على أحد النوافذ فينظرون إلى أشكال أهل تلك البلد , , نساء و رجال بأشكال مختلفة , الطرقات ممتلئة بالأطفال الذين يتقاذفون كرة قد تم صنعها من أقمشة ملفوفة , بيوت شعبية , عمائر رفيعة , شوارع بعضها جديدة و نظيفة , و البعض الآخر متسخة قديمة , طرق ينتشر عبر ممراتها رجال يتخذون من الطرقات مجالس لهم , و محلات تحمل في أعلاها لوحات بسيطة مكتوبة بلغة هي أقرب إلى الرسم من الحرف , و في باب المحل رجل ينظر إلى كل قادم لعله يكون من حظه هذا اليوم فيبتاع منه , أشياء و أشياء غريبة بنظر هؤلاء الأطفال , و الأطفال لا يملون من النظر و السؤال , أخذت السيارة منحنيات المدينة , باحثتاً عن كوخ يقطن في بعض المرتفعات المطلة , هي لحظات فوقفت السيارة فانتشر الغبار الذي كان يسابق السيارة في المحيط , فتوقفت أمام كوخ صغير , هو مسكنهم الجديد , تابعونا كيف كانت ليلتهم الأولى في كوخهم الصغير , تابعونا كيف كانت ليلتهم الأولى في كوخهم الصغير


الحلقة الرابعة :

أول ليلة في نيروبي

أخذت السيارة منحنيات المدينة , باحثة عن كوخ يقطن في بعض المرتفعات المطلة , بعد فترة توقفت السيارة فانتشر الغبار الذي كان يسابق السيارة في المحيط…

توقفت , أمام كوخ صغير , هو مسكنهم الجديد , نزل الجميع من السيارة , وتتابعهم نظرات الجيران و المارة , و عيونهم تنظر وباستغراب إلى هؤلاء الغرباء الذي حلو عليهم مع المساء

, الأطفال لم تنفك عنهم علامات التعجب و الدهشة رغم أثرالتعب و قلة النوم في الرحلة الطويلة , دلفوا باب بيتهم , غرفتين صغيرتين , صالة , مطبخ يحمل الاسم فقط , أغراض بسيطة , أثاث قديم , مفارش مهترية , نوافذ ضيقة تطل على المدينة , حمام بدائي بسيط , كل شيء يحمل أقل القليل من اسمه .
منذ الخطوة الأولى لدخول الكوخ , تفرق الأطفال ليطلعوا على أطراف بيتهم الذي سيسكنون فيه , ذهبوا ثم عادوا بأسئلة كثيرة غزيرة , مختلفة و متنوعة , و تجتمع في سؤال بريء , كيف سنعيش هنا ؟ فكان الجواب واحد , بل هو جواب مقنع و محبب لهم , قالت الأم: نحن هنا قد قدِمنا للدعوة , و من قدم للدعوة يجب أن يتحمل ظروفها و تبعاتها , و أن يعيش المرء عيشة بسيطة , يجب أن نحس بمعاناة إخوتنا حتى نستطيع أن نتلمس احتياجاتهم , يجب أن تكون يدك معهم في النار حتى تفهم ظروفهم , فنحن تركنا كل حطام الدنيا من أجل إخواننا , فيجب أن نصبر و نستحمل كل الذي يلاقينا , هز الصغار رؤوسهم , معلنين موافقتهم , عن كل ماقيل و يجهلون أغلبه , و لكن يحبون شيئاً واحداً ولم يدخلوا غماره حتى الآن , بل كانوا يستعدون له منذ شهور , وهو الوقوف مع الضعفاء و مد يد العون للمسلمين , و يسميه أهلهم باسم ” الدعوة ” , بل وصلوا لقناعة أنهم يجب أن يستحمل الصعاب من أجل أن يدخل من هذا الباب , فهم لا يمانعون بأي شيء يقدمونه من أجل هذا الهدف , قطع حديثهم و تأملاتهم , صوت الأب و هو ينادي بأن تفضلوا على وجبة العشاء التي أعددتها لكم , وجبة بسيطة تسد جوعتهم حتى يستطيعوا أن يذهبوا للنوم و بدون أن يقض مضاجعهم زائر الجوع , وضعت تلك الوجبة بصحون متفرقة , ليأخذ كل واحد نصيبه منها , أكلوا أكلة الكفاف , فارتخت جفونهم على عيونهم من التعب منهية يوماً مضني من السفر , و بادئة يوم جديد من رحلتهم , ذهبت بهم الأم إلى فرشهم , و التي غطيت بناموسية كبيرة لتقيهم لذعات البعوض المنتشر و بكثرة , فهي قد أتخذ من الكوخ سكناً له و عزم أن يجاورهم , بل لم ينسى واجبه مع زائريه الجدد فأخذ يرحب بهم عبر أزيز بسيط و مزعج . حصنتهم بالأذكار بعد أن حصنتهم من قبل بعلاجات تدفع بإذن الله تعالى عنهم مرض الملاريا المنتشر و بقوة في تلك البقاع , أغلقت باب غرفتهم و الدعوات تحفهم بأن  الله يحفظهم .
في صالة صغيرة جلس أخي و أختي و زوجها يتحدثون عن الدعوة و تقبل الناس لها هناك , بل و اشتياقهم للتلقي من الدعاة , و طلب المعرفة من أهل الجزيرة بالتحديد , و تعلقهم بهم , و وصفهم بأنهم أحفاد الصحابة , و أنهم قادمون من منبع الرسالة و من أرض الحرمين , وكيف أنهم يأخذون عنهم كل ما يقولون بيقين و بتسليم مطلق , و كيف أن هذه النظرة تسهل الكثير من انتشال البدع عندهم بأقل مجهود , أو تحفز المهتدين الجدد لتلقي الدين من أهله , فأخذ زوج أختي يقص القصص الدعوية , و ما يلاقونه من المصاعب في سبيل هذا الدين , و كان حديثه حديث عاشق لا يمل من ذكر محبوبته , و لا يكل من تعداد محاسنها , أخذت تلك الجرعة الإيمانية تجري في أجساد أخوتي مجرى الدم في الجسد , فكانت بلسم من داء النصب و التعب الذي أصابهم من السفر , فوثب الحماس مرة أخرى في عيونهم , بل إنهم ليقولون في أنفسهم إنه لليلٌ طويل الذي ننتظره , حتى تشرق الشمس فنخرج لنبدأ أول خطوات الأمل .

حط النوم رحاله بينهم , فاستأذن أخي لينام في زاوية من زوايا الصالة , و ذهب زوج أختي لغرفته الصغيرة , و التي هي عبارة عن أرض وسقف و فراش ممدود في أحد الأركان , و ذهبت أختي إلى بنياتها في غرفتهم لتلقي عليهم نظرة أخيرة قبل النوم , فتحت باب الغرفة , فإذا هم غرقى في سباتهم , و يتقلبون طلباً لما يبعد الحر عنهم , فلا يجدونه مجيباً لتقلبهم , و يحكون أطرافهم لتخفيف ألم لسعات البعوض لهم , و التي قد تسللت إليهم عبر ثقوب صغيرة في ناموسيات النوم , نظرت الأم إلى أطفالها , وهم في فرشهم البسيطة و تحت شاش أبيض يصد بعض الناموس الزائر , و ما ينفذ عبر الثقوب أكثر , حولت النظر إلى أطراف الغرفة البسيطة , فرغم بساطتها فقد أحست أنها كبيرة , لخلوها من أي نوع بسيط من الأثاث , فتذكرت بيتها الذي خرجت منه و تركته , بيت واسع , فناء كبير , غرف متعددة , وسائل للتبريد و التدفئة , أثاث فاخر , وسائل الترفيه التي وضعت في زوايا البيت , بل أعظم منها أن تركت عشها الآمن , و موطنها الذي ألفته , و أهلها الذين سكن قلبها بينهم , تركت كل ذلك و عيناها تطمحان بأعظم , و تطمعان بأتم , و تأملان بأكرم من رب عظيم كريم , قطع تفكيرها , اهتزاز لمبة الغرفة الخافتة , التي عبثت بها نسمات الهواء القادمة من النافذة , فصارت أشعتها تتأرجح على الحيطان , تقدمت خطوات إلى النافذة لتغلقها , نظرت إلى نيروبي في ليلها ,

سواد داكن يغطي جميع أجزاء العاصمة , هناك تحس أنك في ليل دامس , السماء سوداء , والسحب قد غطت كل شعاع , فلا السماء مزدانة بالنجوم , و لا القمر ظاهر للعيون , و البيوت التي تغطي الأرض تبين من خلالها أشعة الأنوار الهاربة عبر نوافذها الصغيرة , ومع الوقت تنطفئ بعض أنوار البيوت فتزيد رقعة الظلام في الأرض .
سحبت قطعة قماش بسيطة هي عبارة عن ستارة على نافذة غرفة بناتها , سحبتها فسحبت معها يوم كامل ملئ بالأحداث , سحبتها اليوم في نيروبي , و كانت بالأمس قد سحبتها في الرياض , سحبتها و هي تنتظر و بشوق لغدٍ جديد كانت تحلم به منذ أمد بعيد , الآن لم يتبقى عليه إلا أن تشرق الشمس , فتبدأ هي بنشر أشعة الدعوة بين أطراف تلك المدينة , تابعت خطواتها للخروج من غرفة بناتها , أغلقت الأنوار عليهم فاختفت نافذة مضيئة من غرف نيروبي , فحل سواد عظيم في الأرجاء هو أشد سواد من سواد القارة السوداء , و لم يبقى في داخل تلك الغرفة , إلا تأوهات الأطفال من التعب و و صوت أزيز البعوض الذي أخذ يرتع بأطفال غافلين . لم يكن ليل تلك الليلة طويل , فالتعب قد أنهكهم , و جعلهم يغرقون في نوم عميق .


الحلقة الخامسة:

الصبح الأول

لم يكن ليلهم طويلاً , فقد فاقت قبل أن تشرق الشمس , و عيناها تتقلبان في كوخها الصغير , و كانت نافذة الغرفة هي المكان الذي يمكن أن تطل منه ببصرها بلا حدود , حيث بداية الأمل الوليد . وقفت تنظر كيف يشرق نور الصباح في نيروبي , و كيف يبزغ شعاعها من مشرقها , قبل هذه اللحظة يعم الكون سكون عجيب , و هدوء يخيم على الأفق , ماعدا بعض نفحات النسيم التي تتحين الفرصة لتدخل إلى الغرفة عبر نوافذها , و لتمنح الجميع بنسمات لطيفة و تخبرهم بقرب صبحها , يشق السكون صوت غراب من بعيد , ليبعثر بصوته أوراق هدوء الصباح , فكأنه فتح الباب لمزيد من لضجيج , و لكنه ضجيج جميل , فهو يعني بداية الحياة من جديد , وبداية نهار كانت ترقبه من بعيد , بداية لصفحة جديدة من صفحات الحياة , يوم يحمل بين طياته .. أمل .. خوف .. حب ..ترقب .. وجل .. أشياء ينتظرونها منذ زمن , و هو أيضاً يوم محمل بأشياء متناقضة تجعلهم يخافون الإقدام عليها أو البدء بخوض غمارها أو القدوم إليها و مباشرتها , لم يدم الحال طويلاً حتى رسمت الشمس شعاعها عبر النافذة على أجسام أطفالها , مع نور الصباح بانت بقع حمراء متفرقة على أجسامهم , هي لسعات البعوض التي شاركتهم ليلتهم الأولى , فبدأ هاجس الخوف يتسرب إلى قلب الأم , بل تعود بها الذاكرة إلى النتائج السيئة للسعات البعوض و خطرها .
نادت زوجها فطمئنها بأن الوضع لا يحتمل القلق , أو أن العارض ينذر بخوف , ولكن قلب أم ..و كيف لقلب الأم أن لا يقلق أو يخاف؟! . بل كيف لا تخاف و شبح مرض الملاريا يقف دائماً أمام زائري القارة السوداء ؟!.. و هو مرض يبدأ بأعراض بسيطة و لكن إن أهمل فنهايته إذا أراد الله فهي وخيمة و حزينة , ولعل اسم هذا المرض يعيد ذاكرتي إلى الوراء …

تبدأ القصة بأن شاب زار تلك البقاع , و هذا الشاب أعرفه وقد جالسته من قبل .فهو شاب في مقتبل العمر , رسم له في هذا الحياة طريقا للنجاح , طريقاً للتجارة و منافسة أرباب الأموال , مبتداه الطموح و منتهاه الوصول للأحلام , سار في طريقة و أعطاه الله أكثر مما يتوقع , بدأ حياته في عالم التجارة مبكراً , و وصل في بضع سنوات في سلم التجارة و التجار فصار ممن يشار إليهم بالبنان , كان واقعه الذي أعطاه الله أكثر من أحلامه , كانت أبواب الرزق قد فتحت عليه , بل إنه أصبح يقلب الدنيا في يوم وليله بين يديه , أعجب به من حوله بذكائه , بفطنته , بسرعته لوصوله إلى أهدافه , لقد احتار في نفسه فلم يطرق باب إلى و قد جاءته الدنيا من عدة أبواب , فقد أذعنت إليه راغمة , و جاءته منقادة , و لم يستغرب ذلك فهي إن أتته فهي بتوفيق الله و من ثم بره بوالديه , فقد كان تحت أمرهم و المتلمس لطلباتهم و الساهر على راحتهم , عيناه لا تفارقان وجهيهما , يداه لا تقفان عن تلمس حاجاتهما , لذا فقد كتب الله الدنيا أن تكون بيده , جلس ذات يوم يفكر بتجارته , فوجد أن تجارته لن تكتمل مالم يتاجر في السلع الموصلة للجنان , و مالم يزيد من رصيده في بنك الإيمان ,و مالم يطبع أثراً لأقدامه في طريق النبوة , جالت في ذهنه تلك الأفكار ذات مساء وهو جالس بين أبنائه , فتذكر الآية الكريمة قال تعالى  ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) , فعرف أن زينة الدنيا و إن اكتملت فإن الباقيات الصالحات هي الأكمل , فلماذا لا يركب ذلك البحر , و يسير في ذلك الطريق , كانت الإجازة الصيفية على الأبواب , فحزم الناس أمتعتهم للسفر , فتحزم هو كذلك لسفر ومقصد آخر , أكمل و أتم .

في صالة المطار الناس يتوافدون على المطار للسفر و الترويح عن أنفسهم , و بذل أموالهم من أجل سعادتهم , هو معهم و لكن في طريق آخر و في اتجاه آخر , يريد أن يسعد نفسه بسعادة الآخرين , يريد أن يسعد نفسه بسعادة الدارين , يريد أن يرفع له منارة في وسط مجاهل أفريقيا الغارقة بالظلال و الظلام , لقد قرر أن يسافر إلى هناك , فكانت أول العقبات  الحجوزات ممتلئة وغير متوفرة لتلك الدول , بحث و استنجد و طلب المساعدة من كل من يعرفهم , و لم يهدأ له بال حتى تم له الحجز , وفي صالة المطار عشرات النداءات لعشرات الخطوط الدولية المسافرة إلى كل الوجهات السياحية في العالم , الكل تبدو على محياه الابتسامة , لكن هو كانت ابتسامته أصفى و كانت سعادته أكمل , فهو على بعد خطوات من تحقيق أمل بتكميل حلم , ركب الطائرة وركب الشوق معه في تلك الرحلة , و وصل إلى أرض الدعوة , و خط لنفسه طريقاً بجانب طريق النبوة , و وضع لقدمه أثراً بجانب آثار أقدم الرسل و الصالحين و الدعاة , تجول , و بذل , و أسس و بناء , و نصح , و وجه , و أرشد , فكان معطاءً بالليل و النهار , و في كل سبيل و في كل اتجاه , و لما حانت ساعة الوداع , نظر نظرة مودع إلى هذه البقعة الطيبة على قلبه , و التي نسي في ثناياها كل هموم دنياه , و طلق في رحابها كل تجارته مع من حوله , إلا الطريق المبين للتجارة مع رب العالمين , أحس براحة عجيبة تملأ عليه قلبه , و لم يحس بها من حين , رغم أن الدنيا كانت تتقلب بين عينيه , قرر العودة و الرجعة إلى بلده , فرجع أكثر إشراقاً و أكثر حماساً .
أخذ بحث عن نور عينيه , عن حبيبيه عن أمه و أبيه و عن زوجته و أولادة , فعلم أنهم يقطنون مكة هذه الأيام لأداء العمرة , طار إليهم من هناك ,

و القلب يسعد بختام تلك الرحلة بأن تكون عمرة و نظرة إلى أهله , سافر من أفريقيا إلى تلك البقعة المباركة و لسانه يلهج بالثناء لله على تسهيله تلك المهمة و بالدعاء بأن يتقبل الله منه عمله , وصل في وقت متأخر إلى مكة , فاستقبله أباه و أمه و زوجته , يال السعادة أن تلقى الأحباب بجانب بيت الله الحرام , الوجوه مستبشرة و القلوب تكاد أن تتطاير من الفرح , العيون سعيدة و تحمل بداخلها دموع حبيسة , كانت رأفت الوالدين أكبر من الأشواق , فقالا له لعلك تستريح , و في الصبيحة يكون اللقاء , و كان التعب قد أخذ منه كل مأخذ , فصار إلى فراشه طريحاً , و من حوله أطفاله عليه يتقافزون و يلعبون , هي لحظات حتى غط في سبات عميق , و في الصبيحة ذلك اليوم , و عندما أشرقت شمس مكة من خلف جبالها , ناشرة أشعتها اللاهبة , و متسللة إلى أطراف غرفته ,

و أراد أن يخرج إلى الحرم , أحس بثقل بجسمه , و وهن في أطرافه , و تعب في رأسه , حاول و لم تجدي المحاولات , فعلم أنه عارض بفعل تغير الأجواء , زادت الحمى عليه , حتى لم يهدا لهيبها ساعة , و اشتد ألمها حتى لم ينفع معها علاج أو دواء , و صار يتقلب على أشد من الجمر , فاستخدم المضادات و الأدوية التي تخفف من ذلك , و كل ما من شأنه أن يفك عنه ذاك الضيق , و لم يعلم أن الزائر الأفريقي الشهير الملاريا قد رافقه في رحلته , و أنه أنتقل في أجزاء جسمه , فتغلغل و تمكن منه , فأصيب بصداع شديد , و من بعده بإغماء نقل على أثرها إلى المستشفى , فعملوا كل الفحوصات , فعلموا أن الملاريا قد تسللت إلى رأسه , و بدأت تأخذ من خلايا المخ , فقرروا عزله بغرفة مستقلة , داوم الأب و الأم و الزوجة ولأطفال على زيارته , و من خلف الزجاج العازل , أب ينتظر أن ترمش له عين , و بجانبه أم تتابع أن يثور له نفس , و زوج تتابع أن تنبعث منه حركه , و أطفال يتساءلون لماذا أبي هنا نائم؟ , لماذا يمنعوننا أن ندخل عليه ؟ فقد اشتقنا إليه , لماذا لا يجعلوننا نحتضنه و نلعب معه؟ , وكل يوم على هذه الحالة و لا يتقدم به الحال , يدخلون مع أول الناس في وقت الزيارة ويخرجون مع آخرهم , كانت الأيام تمر عليهم بطيئة , و حزينة , و تعيسه , من الشقة إلى المستشفى إلى الحرم ,

فيناجون الله في السحر , أب طوت الأيام أكثر عمره , و يفقد أنيسه و أنسه , فيدعو الله من تحت أستار الكعبة أن يشفي قرة عينه , و أن يعيد الصحة لأبنه , و أن يمتعه بعضده , و أم تناجي ربها بقلب حزين , تناجيه أن يمد بعمر زهرة السنين , تناجيه أن يخرجهم من هذا الكرب العظيم , وزوج تناجي و تبكي في ساحة الحرم , فتدمع عينها و تتقطع نياط قلبها و تسأل الله أن يحفظه لها و لصغارها , و في اليوم الرابع , أتوا في الموعد المحدد إلى المستشفى , يأتون و الأمل يسبقهم , و الحلم يعشمهم بأنه قد يكون خرج من غرفة العزل , و أن بإمكانهم أن يسمعوا نبض قلبه , و أن يلامسوا أطراف جسده , أو أن يجلسوا بجنبه حتى ينزل الله فرجه , يمشون في ممرات المستشفى بخطوات مثقله , يجرها كهل أثقلته السنين و أم حملتها الأيام مالا تطيق و صوتها بح من الأنين , و زوج تمسك بيديها أطفالها و تدعي ربها أن يشفي زوجها ويحفظ حبيب قلبها , وصلوا إلى غرفة العزل , نظروا فلم يجدوه , استبشروا أن يكون قد خرج من العزل , علامات الفرح ترتسم على تجاعيد وجه الأب , ظن أن الحياة قد ابتسمت في وجوههم , و أن أبنهم قد خرج من حالة الخطر , هي لحظات حتى ظهر الدكتور من بعيد , فنطقها الأب من أعماق قلبه , بشرني عن أبني , أسعدني أسعدك الله بالحياة , هل نقلتموه إلى غرف المرضى , أسئلة تتدفق كالسيل , نظر الدكتور إلى الأب , خفض رأسه , خيم صمت رهيب على المكان , نظرات الأب صامته , و لسان الدكتور قد عقد , و يقلب يديه فكأنه فقد النطق , قال الدكتور : بعدما أخذ الأب لوحده , عظم الله أجركم و غفر الله لميتمكم و جبر الله مصيبتكم , وقعت تلك الكلمات وقع الصاعقة على الأب , فتلونت الدنيا بالسواد , هي كلمات ما أكثر ما قلناها و لم نتوقع أنها اليوم تبحث عنا لتطرق أسماعنا , دارت بالكون تساؤلات , أحقاً مات , أحقاً رحل , أحقاً غاب بعدما حضر ,

أحقاً اختفى القمر خلف ستار السحاب , وسيلبس الأكفان بعد الثياب , و يوارى جسمه تحت التراب , هل بعد أن كنا ننتظر أن تشرق الدنيا علينا بوجهه النظر , نجدها تخلع قناعها لترينا وجهها الأسود , ليتها ترحم أطفالاً رضع , و زوجة أن تفجع , بل ليتها لم تمتد يدها لتنزع قلب أبن من بين أضلع أبيه و أمه , وأنفاس زوج من صدر زوجته , و سعادة أب هو كل أحلام صغاره , أحقاً مات و أسقتنا الحياة كأسها المر بعد أن أسقتنا قطرة من الأمل , هل حقاً مات , سند الأب , وقرة عين الأم , و قلب الزوجة , و حب الأطفال ,
في ظلمة القبر لا أم هناك ولا *** أب شفيـق ولا أخ يؤنسنـي

هو في قبره الصغير وفي وحشته في لحده أنيسة عمله الصالح , و أب و أم و زوجة و أطفال , في قبرهم الكبير في لحد الدنيا الضيق , في حفرة الهموم و الفقدان و الأحزان , تحثوا عليهم الدنيا من كدرها , و تدفنهم في ضيقها , و تلبسهم تعاستها , إن ضاقت النفس فلا تسعها الحياة كلها من مشرقها إلى مغربها , لقد مات , و ألبست الأيام الأب و الأم لباس الحزن و الهم , و اكتست الزوجة بثوب الحداد , و صار الأطفال بعداد الأيتام , بل لقد مات و في أحشاء الأم طفل كتب عليه اليتم منذ أن كان نطفة , , هل صدق ما حدث , هل من استقبلناه بالأمس بالأحضان نودعه اليوم بالأكفان ,

هل من كان عنا بالأمس غائب يعود اليوم غائب و بلا رجعة , هل سيختفي القمر للأبد ؟ هل ستطفئ شمعة الحياة ؟  هل ستذبل زهرة السنين ؟ و يغيب معها رحيقها , فإنا لله و إنا إليه راجعون , قضاء الله وقدره فلا راد له , نعم حقاً مات , نعم مات وسكن أول منازل الآخرة , نعم لقد مات بين أبنائه و هم في بداية رحلتهم للعمرة , لقد فقدوه و لم يأنسوا به من بعد رحلته إلى أفريقيا , لم تكتمل فرحتهم بعودته حتى غاب غيبة كلية في هذه الحياة الدنيا ,
نؤمل آمالاً و نرجوا نتاجها *** وباب الردى مما نؤمل أقرب

زوج مصابة و أطفال يبكون , منظر يبعث في النفس الأحزان , حقيبته التي لم تفتح , ثيابه التي لم تلبس , عطره الذي لم ينفث , بقايا من أغراضه , آهات و حسرات و مصاب جلل , تركت في نفوس محبيه جرح عميق لا تمحوه السنين , ولكن له من الأعمال ما تسلي القلب الحزين , فهنيئاً لرجل ختم حياته بالصالحات , ختم حياته بطريق النبوة , ختم حياته بجانب الحرم , ختم حياته و عين أبيه و أمه عليه تدمع و قلبهما له يدعوان من بره بهما , فأسأل الله أن يتغمده برحمته , فقد عرفته و له ابتسامه , فاللهم أبعثه ملبياً و احشره مع زمرة النبيين و الصديقين و الشهداء و أجمعنا به يارب العالمين في جناتك جنات النعيم , و لعلكم لا تعلمون أن زوجة هذا الشاب هي صديقة العمر لأختي , فهذا الذي يجعلها تخشى من البعوض بشكل يكدر عليها سفرتها , و ينغص عليها أوقاتها , و استودعكم الله إلى لقاء قادم , و أتمنى أن لا تنسوا ذلك الشاب من دعواتكم , و أعتذر أن أطلت عليكم , أو خرجت عن سياق الموضوع , و لكن حسبي أن طريق الدعوة واحد , و أن قلوبهم تحمل ذات الهم و إن اختلفت أجسامهم , فاللهم أجعلنا ممن يحمل هم الدعوة إليك و ممن توفقه و تستخدمه في طاعتك .
و في ختام هذه الورقة

أسأل الله لنا و لكم حسن الختام ,
كان عثمان بن عفان إذا وقف على القبر بكى ، حتى يُبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه } قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه }
وقال الشاعر
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب *** متى حٌُُط ذا عن نعشه ذاك يركب

و للحديث بقية


الحلقة السادسة:

مركز المهتديات الجدد….همم تلامس القمم

في الصبح الأول….استيقظن البُنيات…فبدأنا الصغيرات يجملن أنفسهن بأدواتهن البسيطة….و يتهامسن بينهن …أن اليوم هو أول أيام طريق الدعوة….ركبوا في سيارتهم ….و اخترقوا طرقات المدينة….ومن خلال شوارعها الضيقة…و وسط أركام من السيارات المتزاحمة….ينبعث من خلالها ضجيج المنبهات….و يتطاير من عوادمها دخان كثيف يحجب الرؤية لمسافة قصيرة ..فتخمده بعض القطرات الساقطة من السماء…فكأنما السماء تضربمثلاً للدعاة أن القطرات و النسمات كفيلة بإذهاب كل ماعلق بين السماء و الأرض …فهل يا ترى تزيل قطرات الدعاة ما علق في قلوب من البدع ؟!….أو تجلي ما ترسب بها بفعل السنين ؟! …… أو تنفض عنها غبار التغريب و التغيير؟!…..كل تلك التساؤلات تدور في ذهن أختي….وكل الدعاة الذين يبدأون أيامهم الأولى هناك..

كل البدايات صعبة و لكن أي بداية تلبس ثوب الدعوة فهي ميسرة و مستضيأة بنور الهداية…هم بطريقهم نحو مركز المهتديات الجدد….توجهت حيث اللقاء الأول….وقفت السيارة أمام مبنى بسيط و متواضع….يقف على أعتابه فتيات صغيرات…نزلت أختي و بنياتها….وضعت قدميها على أول سلم المبنى….هي عدة درجات وكل درجة هي بعمر سنوات…خطوات أولى في حياة جديدة…من خلفها بنياتها وقد لبسن العباءة….و تسفعنا بها….حتى حافظنا على أطرافهن بالجوارب و الخمار….أما الصغيرة فقد كانت صغيرة على لبس العباءة….و لكن هي بذرة لمشروع داعية ناشئة…فلابد أن تكون بداياتها قوية….عباءتها على رأسها….و خمارها يلف وجهها البريء …فتطأ عباءتها بأقدامها تارة…و يسقط خمارها من على وجهها تارة أخرى…فيضيء وجه كالقمر في منتصف الشهر….يشع نوراً في وسط ليل دامس…و يحمل ابتسامة هي كالسحر…الأم تتقدم…فيستقبلنها بعض الإداريات و يسلمنا عليها ….و يقدمنها إلى زاوية عليها كرسي متهالك…. و طاولة بالية هو مقر الإدارة….يقدمن الكرسي بعدما يمسحنه مما علق به من الغبار…و يقدمن الكراسي للصغيرات…فقد رفضنا الإداريات إلا أن يجلسن الصغيرات  على الكراسي…الإداريات يتناظرن بينهم لهؤلاء القادمين الجدد….يرحبون بهم بشكل يفوق التصور….فنظرهم هؤلاء المنقذون لهم من براثن التنصير….هؤلاء هم حملة شعلة الدعوة….أحفاد الصحابة….بدأت مديرة احد المعاهد في نيروبي وهي تسرد قصتها وعن تقصيرها في الدعوة و تقول : أقوم لصلاة الليل منذ الساعة الثانية ليلاً حتى السادسة …حيث يبدأ تدريس الطالبات في المعهد حتى الساعة الواحدة …..ثم بعدها أقوم بتدريس طلاب المدارس حتى الساعة الرابعة….. وبعدها إلى المغرب أدرس الأمهات …..و بعد المغرب حتى العشاء مخصص لتدريس القريبات وهكذا هي حياتي ….و ذلك غير مسؤوليات البيت و أطفالها السبعة…يا الله ….إذا كانت تعتبر نفسها مقصرة , فماذا نعتبر أنفسنا , إذا كانت تعمل كل هذه الأعمال و هي تشغلها الدنيا و تزحمها بأشغالها و قلتها و فقرها , فماذا نقول نحن يامن أعطان الله الوقت و المال و القوة و الغنى …و تقول إن الذي يقلقنا هو ناقوس الخطر الذي يدق كل حين …فحينما يدوي أنين المجاعات في أفريقيا…. تدوي في العالم النصراني أجراس الكنائس فتعلن أن حملات التنصير قد بدأت ….تحت غطاء الإغاثة….و إنقاذ الضعفاء…..فيستغلون هذا الظرف لمد يد المعونة….و مد الانجيل باليد الأخرى….فمن ينحني للجوع يجب أن ينحني للصليب…..و تحت هذه الظروف القاسية و المجاعات المهلكة في أفريقيا ….. يضطر الكثير من البسطاء الذين لا يجدون قوت يومهم….بل لا يجدون وجبة واحدة تقيم جوعتهم… فيجبرهم الجوع و عدم مبالاة المسلمين بهم للتخلي عن دينهم ……و ذلك عندما يرون أن يد النصارى أكثر عطفاً عليهم….. و أكثر تلمساً لحاجاتهم….. بينما أخوتهم في حياتهم غافلون و في دنياهم يتقلبون….فتجبرهم مناظر أبنائهم و هم بين الحياة و الموت…. أن يطلبوا الحياة على حساب دينهم و هم كارهون……

و لعلنا نكون لو بعض عطف هذا المصور الذي التقط هذه الصورة لمجاعة سابقة في السودان….و بعدما ألتقطها بنصف ساعة مات الطفل و انقض عليه النسر ….غارساً منقاره الجارح في جسم طفل……في جسم أمة متخلية عن أبنها ….في كبد الإنسانية كلها……و لقد نال عليها المصور جائزة عالمية…..فبعد أسبوع وجد المصور…..منتحر…. من هول الصدمة….ومن مهولة ذاك الحدث فلم يطق صبراً…..لقد فت كبده المنظر…..وقلوب بعضنا لم تتحرك…..لقد أهلكه الهم….و هموم بعضنا لم تتغير……فاختار الموت على أن يتجرع كأس ذلك الموقف الرهيب كل يوم…..إنهم في كل يوم يفتنون ….و يتمسكون حتى يبقى بينهم و بين الموت ساعة …. و بينهم و بين القبر خطوة…..و بينهم و بين أن يفقدوا أبنائهم أو حياتهم لحظة……و بينهم وبين افتراس الموت أنفاس……فتدمع عيونهم دمعة وداع لدين أبائهم و أجدادهم و ينحنون راغمين تحت الصليب المزعوم……فتسقط دمعة على أرض المجاعة و تبتسم راية الصليب ابتسامة……. أن وصلوا لمرادهم…. نعم لقد هربوا من فريسة الموت بعدما تخلى عنهم أبناء جلدتهم فوقعوا في فريسة الصليب ….فتضيق الصدور أن يد الصليب قد مدت يدها و أن أبناء النصارى قد تكفلوا بكامل قوتهم …..بل رحبوا بهم أن يضموهم في رحاب كنائسهم….إنهم يتركون دينهم تحت ضغوطات الموت القادم إليهم بقوة…..فأين نحن من إخواننا قبل أن نفقدهم من بين أيدينا….و أين نحن من سؤال ربنا ماذا عملتم لإخوانكم؟!…بل أين نحن عنهم عندما نشاهد قوافل الخير التي تسير كل حين بأيدي المخلصين و لا نمدهم بزادهم….والذي هو زادنا في طريقنا إلى الجنة….أين نحن من أخوة بذلوا أنفسهم في طريق الدعوة فكانوا مشاعل نور و مصابيح هداية؟!….و معالم يستدل بها لنشر الخير بين أخوتنا….فعندما ركنا عملوا…و عندما لهينا …. انشغلوا…و تقلبنا في سعادتنا و تقلبوا في سعادة أخوتهم….كم رسموا من طريق خير عندما نحن توقفنا ؟! ….كم طرقوا من باب خير عندما نحن تخلينا ؟!….كم أوصدوا من أبواب الخطر عندما نحن نمنا و أمنا في أوطاننا ؟! ….كم تركوا من أموال و بنين بينما نحن جلسنا نتقلب نحن بنعيمهما ؟!….فلله درهم و على الله حسابهم ….لقد اختاروا الآخرة على الحياة الدنيا….اختاروا الباقية على الفانية….اختاروا طريق النبوة على طريق الدنيا …فكانت نتائج عملهم تفوق التصور…..و ما مراكز المهتدين و المهتديات ….و حلق تعليم الدين …. المساجد المنتشرة في كل مكان…..و الدعاة الذين يتجولون في أطراف الأرض ….و القوافل الدعوية والإغاثية ….إلا بفضل الله ثم بفضل جهودهم…..فهي ثمرة من ثمار بذرهم…..فانظروا إلى احد المهتديات الجدد…..من دار المهتديات…..وقد جاءت تمشي إلى أختي على استحياء…فقالت : أختاه أريد أن أسألك سؤال….فقالت أختي تفضلي …..أنا قد منَ الله علي بالهداية …و أنعم علي أن تلقفتني يد الخير إلى هذا الطريق…و شربت من نهر هذا الدين الجاري….و نهلت من نبعه الصافي…ولكن بالقلب رهبة و في الحلق غصة و في الصدر خوف…و في نفسي يسكن ألف سؤال…و تظهر مخاوفي في ليلي و نهاري…فقالت أختي و من ماذا تخافين أو توجلين ؟…فقالت : أخاف أن أكون مقصرة بحق رب العالمين….فبعد أن اختارني لحوزة هذا الدين…. أخاف أن أكون لم أعبده حق عبادته….ثم اتبعت فقالت : يال تفريطي فأنا لا أصوم من الدهر إلا الاثنين و الخميس….و لا أقوم من الليل إلا من الساعة الثانية حتى الساعة السادسة ….و اختم القرآن بالأسبوع مرة واحدة….فأنا للأسف مقصرة و عن ربي معرضة …فكيف بي أن وقفت بين يدي ربي …..و سألني عن بقية أيامي أين صيامها….. و عن بقية الليالي أين قيامها….. و عن بقية أوقاتي أين حظها من القرآن….فتقول : أختي لم أجد لها جواباً أجيبها به….و حار فكري و عقلي….كيف أن هذه المهتدية الجديدة و التي لم يلامس نور الإيمان قلبها إلا منذ أشهر…..تكون بهذه الهمة….و هذا الطلب الرفيع….و أين نحن يامن ولدنا و نشأنا بهذا الدين …..فكم منا من غافل عن أوقاته ؟! …و لا يحاسب نفسه رغم تقصيرها…..و رغم أن البعض منا لم يصل لمستوى هذه المهتدية الجديدة….فيا الله كم نزهد بأعمالنا عندما نشاهد ممن لم يلحقوا بالركب إلا متأخرين ثم تراهم يتقدمون علينا…. و كم نتعجب كيف أن هذا الدين يفجر بالنفس الهمم و يسوقها إلى القمم …و كيف أن خشية الله إذا حلت في الصدور لم تقنع النفس إلا أن تصل إلى أعلى المراتب….تقول أختي احترت و لم أجد لها جواباَ …وقلت لها أنتي و بإذن الله على خير…فاستمري و استزيدي و أخلص لله بالعمل ….فبارك الله فيها و جعلها بذرة مباركة في تلك القارة…و أنبتها نباتاً حسناً ….و زادها من حب ربها …..و رفعها حب ربها في كل نفس…..و للحديث بقية مع مشاهد المهتديات الجدد


الحلقة السابعة:

التـــــــــــــــــــاج

دار المهتديات الجدد , هي دار تهتم برعاية الأخوات حديثات الدخول بالإسلام , و تعلمهن أسس الدين الصحيح , وكيفية المرور بسلام خلال هذه المرحلة الانتقالية , و تسلحهن بالسلاح اللازم من العلم و يزدن من مخزونهن من الصبر على البلاء , و تعلمهن الضرورات من الدين والأركان . فصل صغير , له نوافذ ضيقة , وضع في وسطه فرشة لجلوس طالبات العلم , في مقدمته لوحة تحاكي عمل السبورة , رغم ذلك ففي فصلهن كل شيء يشع , فنور الإيمان الذي مازج أنفس جديدة قد أنار الجنبات . وجوه سمراء تبدوعليها أثر السعادة برغم البساطة , وجوه تحمل صبغة هذا الدين , وتشرق بنور عظيم , و ونفوس تترقب أن تسعد أعينها بتتبع حروف القرآن , دخلت أختي عبر الباب الموصل من غرفة الإدارة إلى الفصل , فقمنا جميعاً للسلام عليها , فكان السباق على شرف الحصول على السبق بالمصافحة , و لم يعلمن أن أختي هي التي لها الشرف بذلك , جلسنا بصفوف متراصة , و كانت أعينهن على أختي في حركاتها , ذهبت أختي إلى زاوية من زوايا الفصل فيها مسمار مثبت , فخلعت عباءتها , وعلقتها على ذلك المسمار , و تقدمت إلى السبورة لتبدأ درسها , لكن المهتديات توقفت أعيونهن عند العباءة المعلقة , و لم يتابعن أختي في تقدمها أوتقديمها لدرسها , ولعل القلوب لازالت هناك حيث تعلقت بجانب تلك العباءة , كان جل اهتمام المهتديات بهذا الجلباب التي ترتديه أختي , و كان محل اهتمامهن و محط عنايتهن , فهو بالنسبة لهن رمز , و عندهن امنية حياة , ومطلب تقضى من أجل الحصول عليه كل الحياة . فكان الجلباب يذكر كثير في حديثهن بل يطلبنه و بشدة و أيضأ بحسرة.. فكم تنقضي الأوقات الطوال بتأمله والحلم في ثناياه من قبل بنيات الدار , أليس هذا الحجاب الذي هو ستر للمرأة ؟ أليس هذا الحجاب الذي هو زينة للمرأة ؟ أليس هذا الحجاب الذي نزل به الكتاب ؟ أليس هذا الحجاب و الذي يكسي المرأة جمالا مع جمالها ؟ أليس هذا الحجاب رمز العفة و النقاء و الطهر ؟ أليس هذا الحجاب الذي قامت الدنيا من أجله و لم تقعد من أجل نزعه ؟ أليس هذا الحجاب الذي جار العالم عليه فأجاره الله منهم ؟ أليس هذا الحجاب الذي ما إن أزداد العالم بحربه عليه حتى زاد تمسك الناس به ؟ حجاب وغطاء , نور و نقاء , هو بينا أيدينا رخيص , و هناك في تلك الديار شيء نفيس , كم تمنت فتاة أن تستتر به عن عيون الرجال ؟! كم تمنت فتاة أن يتدلى على جسمها فتكون كالصحابيات ؟! كم تتمنى أخواتنا هناك أن يجدنه بل يجدن بعضه ؟! هو تاج على رأس كل امرأة , هو تاج ترفعه فتكون في عالمها ملكة .

في هذا الفصل المزدحم , المليء بالوجوه السمراء , و يظهر مظهر الأفريقيات بشكل غريب على أختي و بنياتها , حيث يتدلى من رؤوسهن ضفائر عقدت بشكل غريب , و عيون واسعة كقمر نير وسط ليل دامس , نظرات بنات أختي لم تنفك عنهم , و نظراتهن لأختي و بناتها لم ترتد عنهم , رحبت بهن أختي , بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته , فكان الصوت المدوي , برد السلام من ألسنة قد اشتاقت إلى اللقاء مع من كنا ينتظرنها من أيام , أخذت أختي قطعة فحم , و كتبت في السبورة بعدما رأت ذلك التتبع العجيب للحجاب , كتبت قول الله سبحانه و تعالى  (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً  (59)الأحزاب , أخذت أختي تتكلم عن عظمة هذا الدين , و أن الفائز من أنجاه الله بالسباحة في فضائه و العيش في ثناياه , و أن هم نصرة هذا الدين هو هم مشترك , و أن الذي جاء بها من بلادها هو حبها لأخواتها و حب اللقاء بهم , و كيف أن المرأة المسلمة محاربه من أعدائها , و أن أول و أقصر الطرق للوصول إلى قلب الأمة الإسلامية هو أفساد قلبها المتدفق , و هو إفساد قلب المرأة , و أن فساد المرأة يبدأ بتخليها عن حجابها , و شرحت لهم برنامجها الخاص باللقاءات المرتقبة خلال الفترة القادمة , كانت تلك الرحلة الدعوية مقسمة بين مركزين , مركز المهتديات الجدد , و التدريس بمركز الجامعة للفتيات المسلمات الجامعيات , بمعدل ثلاث أيام في الجامعة و يومين في مركز المهتديات الجدد , و هناك يومان إجازة تستغله بالتحضير للعمل الكثير الذي ينتظرها خلال أيام الأسبوع , كانت المحاضرات مستمرة من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الواحدة و النصف ظهراً , وبلا توقف , و كان فيه من الإرهاق مالله به عليم , لكن وبنظرة للثمار التي تقطف كل يوم يهون النصب , و يزدان بالعين العمل , حلقات قرآن تعليم صغار , و توجيه مهتديات , شروحات و توضيحات , أعمال تجعل الإنسان في هم دعوي دائم ,كانت الآية التي كتبتها أختي على السبورة , هي مبعث للتساؤلات , و هي شرارة أوقدت الكثير من الآهات من الفتيات , فبدأنا الحديث عن التاج , عن الكلام و بإسهاب عن الحجاب , كلاً منهن يشرح سبب إسلامها , تقول أختي سألت المهتديات الجدد , ما سبب دخولكن في الإسلام , فكانت أغلب الإجابات أن سبب دخولهن هو إعجابهن بشكل المرأة المسلمة و هي متحجبة , لا ينظر لها سوى محارمها , قد أخفت مواطن الجمال بها , فهي درة مكنونة , وهي جوهرة مصونة و محفوظة , هي أخفت كل ما يبين جمالها و انقادت طائعة لأمر ربها , نعم صدقن إن هذا الحجاب هو رمز للمرأة المسلمة , فعندما ترتديه المسلمة فهي داعية صامته , فمن سواد حجابه يشتعل نور الأيمان بقلوب مظلمة , من سواد حجابها تشرق شمس العزة في قلب كل امرأة مسلمة ..
و لكن أمام هذا الحب منهن للحجاب , تقف قلت الحيلة و العجز عن امتلاك الحجاب أو قيمته , فهذه مشكلة تؤرق أخواتنا هناك , و تقض مضاجعهم , فكم بكت من عين ؟! و كم تألم من قلب ؟! وكم حرمت من أخت من أن تخرج ؟! بسبب أنها لا تجد ما تلبسه لكي تخفي ما أمر الله به أن يستر , كن يردن أن يتزين بالستر , و لكن قلة الحيلة و العجز عن توفير الحجاب عائقاً يقف في طريقهن , جاءت أحدى النساء إلى أختي , تسأل و تقول : أختاه أنا أعرف أن الحجاب واجب على المرأة المسلمة , و لكنني لا أملك ما أتحجب به , فهل يسامحني ربي أن قصرت بحق من حقوقه , و أعدك أنني لن أخرج للرجال أو الشارع إلا للضرورة القصوى حتى أملكه , فهل سألنا أنفسنا لماذا لا ترتدي الحجاب ؟ لا ترتديه لأنها لا تجد ما تبتاعه به , بل لا تجد ما تأكل به ذلك اليوم , رغم ذلك تحبس نفسها عن الخروج , حتى يأذن الله لها , و يسهل أمرها بشراء حجاب يسترها , و ليتنا نراجع أنفسنا عندما جعلنا الحجاب زينة , عندما تفننا في الحجاب و صار موضة , عندما أردنا أن نرفعه بالزينة و ألبسناه الدنية , فصار فتنة بعد أن كان عفة , صار شرارة بعدما كان من النار وقاية , صرخات و موضات و أشكال و ألوان , كلها تسمى بالحجاب , و الحجاب منها براء , فمتى نرفع التاج من الوحل و نضعه على رأس يحمل الأمل , فأنت الأمل المعقود يافتاة الإسلام , و تقول أختي أتت احد الأخوات إلى و لقد طلبت مني أن تقوم بتوفير راتب سنة كاملة , لا تأخذ منه إلا ما يكفي لطعامها , وذلك حتى تشتري لها أختي عباءة تضعها على رأسها , قالت لها : أنتي تتحجبين بشكل كامل , فلا يظهر منك أي شيء من أطرف جسمك , فوجهها مغطى و اليدان و القدمان كذلك , فقالت , لا يا أختي أنا أريد أن أضعها على رأسي , أريد عباءة سعودية , تقول : أنا عندما أضعها على رأسي و أخرج بها إلى الأسواق , أحس بعزة و رفعة و كرامة للمرأة المسلمة , فقالت : أختي سوف أعطيك عباءتي , و أعطتها إياها , و سألتها بعد أسبوع عن العباءة , فقالت , و الله لم تنزل من على رأسي منذ أسبوع , فأنا أخرج بها في الشوارع , و أحس أنني أتحدى النصارى بها , و أعز ديني و أكون داعية متحركة بعباءتي , يا الله , هناك يواجهون التغريب و التنصير و عليهم من الفاقة و الضيق ما الله به عليم , رغم ذلك هم يتمسكون هم يبذلون الغالي و الرخيص من أجل رضى رب العالمين , و نحن عندنا الدعاة يدعون ليل نهار , أن أمسكي عليك حجابك أختي , و نجد التفريط من البعض , و الأهل يطالبون فتياتهم بالمحافظة , و نجد العصيان , و الأموال متوفرة لاختيار ما أمر به الله , فنختار ما نعصى به الرحمن , ربي أنزل علينا الهدى و أرشدنا لما فيه الخير و التقى , تقول أختي , في مركز آخر كانت هناك مسابقة , و بعد المسابقة سألنا ماذا تريدون أن نقدم لكم من الجوائز؟ , و كنا فتيات في العشرينات من أعمارهن , فطلبنا منا أن نوفر لهن عباءات على الرأس , رغم أن أغلبهن ممن يغلب عليهم حاله الفقر , حتى أن السواد الأعظم منهم لا يجدون إلا وجبة واحدة في اليوم هي عبارة عن الماء مع الذرة , رغم ذلك طلبن الحجاب الذي يوضع على الرأس , لن أعلق على هذه النقطة فواقعنا يعلق بالقدر الذي يجعلنا نتألم , فمتى نتمسك بحجابنا و الله أن أول من يُعجب بنا أعداؤنا , و اذكر هنا قصة لأختي هذه نفسها التي ذهبت إلى أفريقيا , فقد ذهبت أختي قبل عدة سنوات في رحلة علاجية إلى ألمانيا , و زارت مستشفى العظام في مدينة ماينز الألمانية , وكان الدكتور الذي سيشرف على علاجها هو رئيس قسم العظام و كبير الأطباء في المستشفى الجامعي , و هو يحمل شهادات عليا في تخصصه , فكانت أختي بعباءتها و حجابها الكامل تضعها على رأسها و تغطي كامل أطرافها , فعندما انتهت الرحلة العلاجية , قال البروفسور , بلغ أختك إعجابي الشديد بها و شكري لها , وذلك بسبب تمسكها بدينها و تقاليدها , فقد حازت على إعجابي لحفاظها بقيمها و ثوابتها و مبادئها , فكل إنسان له ثوابت و قيم يحافظ عليها فحتماً سيعجب به الجميع , أما من ترك لنفسه الهوى و صار يتقلب في تبعات النفس , فحتماً لن ترتاح نفسه و لن يجد لتقدير من غيره , ولعلي استشهد هنا كذلك بقول الكاتبة الأمريكية الشهيرة عندما حضرت إلى السعودية و لبست الحجاب , فتقول : تانيا سي هسو «نقلاً عن عرب نيوز» ( بعد عودتي من المملكة العربية السعودية التي أمضيت فيها أربعة أسابيع مرتدية العباءة والحجاب , ونظراً لأنني محللة متخصصة في شؤون المملكة العربية السعودية فلقد عرفت الكثير مسبقاً مما هو متوقع مني عمله ولم يمثل ارتدائي للحجاب وعدم تمكني من قيادة السيارة خلال المدة التي قضيتها هناك أي مشكلة بالنسبة لي وبعد أربعة أسابيع طرت إلى اتلانتا مرتدية الحجاب ليس فقط لأختبر رد فعل الأمريكيين، ولكنه لأنه كان مريحا وعمليا، ولقد أضفت لحجابي في سوق البدو بالرياض البرقع وأدركت ولأول مرة في حياتي بأن الرجال يتحدثون إلي مباشرة بكل احترام وتقدير دون أن يكون لجسدي كامرأة اثر في ذلك التقدير )
و في جانب آخر من زوايا تلك الرحلة , تقول عندهم حب غريب لسبر أغوار هذا الدين , و التزود بالعلم الشرعي , و النهل من تعاليم الدين الحنيف , تقول أختي , لقد أعطت ذات يوم أحد الطالبات شريطاً , فجاءت سبعين طالبة يطلبن نسخ الشريط , فجلسنا ينسخنه تحت ضوء السراج , فهن يملكن كنز و يردن أن يستثمرنه , و لم تثنيهم صعوبات لحياة , أن يستغنموا كل ما يزيدهم إلى الرحمن قرباً , فهن حريصات على العلم , وبذل أنفسهم لهذا الشيء , فهم يريدون أن يتعلمون في يوم وليلة كل أمور دينهم , يريدون أن يلحقوا بالركب , يريدون أن يتعرفوا على كل صغيرة وكبيرة من أمور الدين , بل إنهن يجمعن صغيراتي في أوقات فراغهن و يأخذن يسألن عن بعض الكلمات التي لا يعرفنها , فهن يردن أن يتعلمن اللغة العربية لغة القرآن , حتى يتمكن من إتقان القراءة , بسهولة ,
واعتذر منكم على الاختصار فالوقت يزحمني و إلى اللقاء في الحلقة القادمة


الحلقة الثامنة

طريق الحياة

في هذا الصباح كل شيء مختلف , و النفس إن ضاقت تلونت الدنيا بألوان قاتمة , الفرحة التي تحملها أختي طوال الأيام الماضية تحس اليوم أن هناك ما ينغصها , بل هناك ما يكدر عليها صفوة صبحها , إنه الرحيل … فاليوم سيرحل زوجها و أخيها إلى مدينة أخرى , و يتركونها في نيروبي هي و أبنائها لوحدهم , إنها غربة وسط غربة , ظلمة في كنف ظلمة , كيف سيكون يومهم إن غاب عنهم صوت الحبيب , ولكن يعزيهم إيمان بالله صادق …فإنهم و إن تركوهم فسوف تحرسهم عين الرحمن التي لا تنام , و يحفظهم اسمه العظيم ….

صبحهم اليوم مختلف , سُلبت من النفس أشيئا كثيرة و كلها أشياء جميلة , الهمة ليست الهمة , و النشاط ليس هو النشاط المعهود , في القلب الهموم و الضيق يصارعان السعادة و الابتسامة  , فتارة يغلب الكدر منابع الصفاء في النفس , وتارة أخرى تعلوا السعادة ويبرق نورها , و ذلك عندما يُتذكر أجر الاحتساب عند المرور بمثل هذه المواقف الصعاب .

 الطريق إلى مركز المهتديات هو نفسه يتكرر كل الصباح و لكن اليوم له شكل آخر , اليوم سوف يقوم زوج أختي و أخي بتوصيل أختي إلى المركز , ثم ينطلقون إلى رحلتهم إلى عالم مجهول . ركبت أختي بتثاقل عجيب , و ركب أطفالها من بعدها , نوافذ السيارة تنفث الهواء إلى داخل السيارة و كل شيء بداخل السيارة  يكاد أن يتطايربفعل الهواء , وحده القلب يكاد يقف , توقفه مشاعر الحزن العميقة .

في وسط جو الوداع المر , صوت أخي و زوج أختي يحاولان أن يرسمان شكلاً آخر من روح المرح و البسمة , لكن أختي تطغى على نبرتها الحزن العميق , و تظهر من خلال صوتها غصة , و بقلبها لوعة , و بأنفاسها زفرة , تحمل هماً و حزناً , وتبحث لنفسها عمن يواسيها فلا تجد إلا نفسها , الأطفال يتجاوبون مع الجو المرسوم ببراءة و لا يعلمون مالذي يدور في الخفاء .

وصلوا المركز , نزلت أختي , نظر إليها زوجها و أخي , فقالا : نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه , لملمت أختي حروفها , أرادت أن تنطق بكلماتها , و لم تستطع أن تنطق إلا بكلمة واحدة , فقالت بصوت خافت : والله يحفظك , هي الكلمة الوحيدة التي زاحمت الغصة بالحلق , فخرجت الكلمة بشق الأنفس , كلمة نطقها قلب زوجة و قلب أخت و قلب أم , فكانت هذه الكلمة هي بداية لسيل من الدموع , تبلل حجابها , قال زوج أختي : قاطعاً لحظات الوداع , لا تقلقي سوف نعود اليوم بإذن الله تعالى إن استطعنا ذلك , عليك بالصغيرات , أهتمي بنفسك , ويشاركه أخي في الحوار لكي يزيح هذا الستار الأسود من الحياة , آه منكم يا نساء تنسون الإخوان عند وداع الأزواج , قالت : حفظكم الله جميعاً بحفظه , تحركت السيارة , و وقفت أختي و أطفالها ينظرون إليها , حتى غابت عن الأبصار , و تعلق القلب بهم حتى تاهت نبضاته المتسارعة وسط زحام , نظرت إلى أطفالها من حولها و حانت منها شهقة , فقالت : الكبرى منهن , ما بكي يا أمي , قالت : لا شي يا أبنتي , فقطع عليهما افتتاح أبواب المركز حديثهما , دخلت الدار و وبدأت حياتها اليومية عبر دروسها التي هي مسلاتها في حزنا , أما أين ذهب أخي و زوج أختي ؟ فهذا أخي يروي القصة كاملة فيقول , أراد زوج أختي أن يصل إلى منطقة بعيدة من المناطق المحتاجة , فنظر كيف يصل إليها ؟  و كيف يلامس جراحها ؟ و كيف يداوي مصابها ؟

فأعيته الحيلة لبعدها عن نيروبي , و كثرة المخاطر التي تحف بها , و لكن من تمسك بحبل من الله متين تنفرج له الأمور ولو بعد حين , وحين يشتد الضيق وتشتد الأمور تنفرج الغمة و تكون الشدائد إلى زوال , فلقد انفرجت بعد أن ظن أن لا مخرج , فذهب إلى أحد شركات الطيران الخاصة , و استأجر منهم طائرة خاصة تقطع به تلك المنطقة , بأدغالها و جبالها و أحراشها , حتى يصل إلى قرية غائرة في وسط الجبال الشاهقة , فوافقت الشركة على الطلب و بمبلغ 500 دولار لمسافة 300 كيلوا قطعوها في خمس ساعات , يقول أخي ركبت أنا و الطيار و زوج أختي , في طائرة صغيرة ذات مراوح نفاثة , ركبنا و أقلعت الطائرة من المدرج , فصرنا بين السماء و الأرض معلقين ..

بل إننا كنا أقرب للموت من الحياة في أحيان كثيرة , مطبات هوائية مرعبة , تحليق على مستوى منخفض , في تلك الرحلة كنا أنا و زوج أختي و الكابتن ومرافق لم يغفل عنا إنه شبح الموت , نجلس في بعض الأحيان على كراسيها الغير مريحة فنمل , و نقف فنتعب , و نتجول فتتقاذفنا الاهتزازات , هي ساعات طوال مرت علينا كأننا في سكرات الموت , معيننا فيها بعد الله هو الذكر و أن الهدف هو سبيل الخير , و ما إن انقضت تلك الساعات و حانت ساعة الهبوط , حتى بدأ الطيار ينظر إلى الأرض فكأنما ظل الطريق أو يبحث له عن شيء بين ركام الأشجار …

لقد كان يبحث له بين الأشجار عن أرض مستوية , ليهبط فيها , فنظر إلى بعيد فوجد مبتغاة , فعزم هو و توكلنا نحن على الله , فهبط بسرعة مخيفة , أثارت كل الأتربة بالمنطقة , ارتطمت الطائرة بالأرض ارتطاما , اعتقدنا أن الطائرة قد تبعثرت أجزاؤها في ذلك المكان , و هاجت عاصفة الأتربة من أطراف الطائرة , لقد خيل إلينا أننا أصبنا في حادث أثناء الهبوط , لحظات ثم توقفت محركات الطائرة , ثم تبدد الغبار إلى أطراف الغابة , فتبسم كابتن الطائرة فقال: لكم أن تنزلوا بسلام , لم نصدق أننا وصلنا و أن أنفاسنا لازالت ترتد إلى أعماقنا , و أن قلوبنا تنبض بالحياة , و ما إن انقضى هم الهبوط , حتى فكرنا أن خلفنا مهمة ومن ثم نعود على نفس هذه الرحلة , و نفس المشوار , و بنفس الطائرة , و أن علينا أن ننهي مهمتنا في نفس اليوم , حتى نعود إلى نيروبي مع هذا القائد , كانت خطواتنا منظمة و محددة , كنا في عمل متصل و لم يمنعنا عناء الرحلة أن ننجز مهمتنا بأسرع وقت , و لقد كانت لحظات جميلة أن تصل إلى أخوتك في بقعة سحيقة , تشاركهم همومهم و تمد يد العون لهم , رغم أنه لحظات قصيرة , لكن لحظات مباركات , فكان العمل المنجز أكبر من المتوقع , كانت عينٌ على مهمتنا و إنجازها , و العين الأخرى على أبنائنا في نيروبي , قضينا الوقت كما رتب لها من قبل , و في الساعة المحددة , عاودنا الإقلاع من جديد , و عاد الهم إلينا و لكن بصورة أقل , فقد أعطتنا رحلة الذهاب جرعة نفسية لمواجهة الأزمات , لقد تمت رحلتهم و عادوا إلى نيروبي عندما حانت الشمس إلى المغيب , أنا في هذه اللحظة , أقف متعجباً من تلك النفوس التي لا يقف أمامها حائل , و لا يردها عن إيصال رسالتها أي عارض , و لكم تمنيت كثيراً أن تكون نفسي هناك , فاسأل الله أن يمن علي بركوب مركب الدعاة , كما ركبها هؤلاء الدعاة , أما الطرف الآخر ممن يجوبون أراضي أفريقيا , فهم خدام الصليب , الذين سبقوا خدام التوحيد بالتواجد في تلك الأرض , لكن هل تثمر أشجار من يخطو خطوات في محاربة الجبار ؟ , أم هل تخيب مساعي من يسنده العزيز الرحمن ؟  إنهم يقفون عاجزين أمام المد الإسلامي , فهذه الكنائس هناك تقف عاجزة عن الوصول إلى القلوب رغم أنها وصلت إلى البطون ..

فما أن تنتهي المجاعة حتى يعودون فرادات و وحدانا إلى طريق الإسلام , بل رغم أن الجهود ضعيفة بالمقارنة بإمكانيات التنصير , فإن ما يعمل بسنوات هناك تحت ظل الصليب , يُعمل بأيام تحت راية الدعاة من المخلصين من المسلمين من أبناء التوحيد , فلكم جابت حملة الصليب السنوات الطوال قرى متناثرة في غابات إفريقيا لإبلاغ رسالة الظلال , فتعود خاسرة , و بينما تمر سحائب الرحمن على تلك القرى في أيام و تدخل القرية بيوم وليلة تحت ظلال الإيمان , وتمتلك النصارى الدهشة , يتساءلون كيف يكون ذك و كيف تسحر العقول بهذا السرعة العجيبة ؟! فلا عجب , إنه سحر القلوب و نفحات الإيمان التي تباركها بركة الرحمن , و هذا العجز الذي تجده الكنيسة في دعوتها , لم يكن في أفريقيا فقط بل في كل مكان في العالم , قال قسيس ألماني في أحد مساجد بون , وذلك عندما كنت هناك نقلها لي أحد الدعاة في مدينة بون , لا أعلم مالذي تفعلونه بأبنائكم حتى يأتوا إلى المسجد في اليوم خمس مرات , و لقد زرت مساجدكم و لم أجد ما يرغبهم بالحضور أو يجذبهم للحفاظ عليها بهذا الشكل الذي يدعوا للدهشة , فنحن صلاتنا في الأسبوع مرة , و عملنا جميع المرغبات للشباب فلم نستطع أن نجعلهم يزوروا الكنائس , إنه أمر يحيرني , و رغم ذلك أهنئكم به , وهذا الحدث نفسه يتكرر في كل أرجاء العالم بل تجده بصورة واضحة في أفريقيا, فمليارات الدولارات تصرف على التبشير , أدوية و أطعمة و تعليم و تنصير , و بنفحة من نفحات هذا الدين تنطفئ شمعة التنصير , و تشرق شمس التوحيد , وهذا الذي يحير من كان هناك من المنصرين , الذين يعملون السنوات , و بمجرد مرور دعاة التوحيد تسقط لبنات بنائهم على رؤوسهم في لحظات , فكم بذلوا لينصروا قرية أو مكان بعيد في غابة , و تمر قوافل الخير فتبشر بالخير و تسلم القرية عن بكرة أبيها , و إن كانت تلك القرية كافرة فيدخلون في الإسلام , و ينظمون تحت لواء الإسلام , وقد حافظوا على أركان هذا الدين كمن أمضى عمره كله بين جنباته , ومن كانت أثرت عليه حملاتهم , تجدهم يعودون أكثر تمسكاً من قبل , إنه أمر يعجبون منه بل لا يصدقونه , و لم يكن يتحقق ذلك لولا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه , بذلوا أنفسهم و أوقاتهم و أموالهم لخدمة هذا الدين , يقول زوج أختي , كنا في رحلة دعوية في أرض نائية في دولة افريقية , و أخذ منا المسير أيام , قطعنا فيها مهالك , و تعرضنا فيها للموت مرات , و صرنا في عداد المفقودين لولا أن حفظنا الله بحفظة , و لما بانت لنا القرية المقصودة كنت الشمس تقترب إلى المغيب , و قد بلغ منا التعب مبلغه , و نزل بنا الوهن حتى أعجزنا عن المسير , فنزلنا قريباً من القرية , فقال أحد الدعاة لعلكم تأخذونا قسطاً من الراحة , و أذهب أنا و استكشف القرية , فيقول : تبسم أحد الأخوة من قوله , فقال : و لِما تتبسم , قال : لقد تركنا أهلنا و أبنائنا و ديارنا , و أتينا إلى هنا من أجل أن نأخذ قسطاً من الراحة ؟! هل قطعنا كل هذه المسافات حتى نركن إلى الدعة ؟! لا و الله لن نتركك تستأثر بالأجر من بيننا , و إن كنا نحبك , و لكن في أمور الدعوة لا يمكن أن نقدمك على أنفسنا , بل نذهب سوياً نستطلع و نستكشف , بل نبدأ بالدعوة من الآن , فربما أنقذنا أحداً من القرية قبل أن يأتي يومه , فذهبوا جميعاً و وصلوا إلى القرية و بدأ برنامجهم هناك , فيا الله يالها من نفوس قد فسخت لباس الدنيا و أقبلت على الآخرة , و يالهم من فتية طلقوا المتاع و استمتعوا بالامتع , و يال نفوس يحملونها بين أضلعهم كيف تستحمل كل هذا التعب و النصب , فقد تعلم الصبر منهم دروساَ جديدة , و مل التعب من تتبعهم خلال طرقات الدعوة , كانت أيديهم تمتد إلى كل فقير , و وجوههم تتبسم في وجه كل حزين , و كلماتهم تمسح دموع كل مكلوم , هم كالمطر كله خير أوله خير و أوسطه خير و آخره خير , يمرون فيزرعون بذور التوحيد في مجاهل أفريقيا , فتنبت شجراً صالحاً جذوره تضرب في أعماق الأرض , و أوراقه يستظل بها من حر الفتن , و ثماره تغذي النفوس في المحن , فجزاهم الله ألف خير على جهودهم , و بارك الله في جهودهم , و لولا مخافة أن يصيبكم الملل لما توقفت عن ذكر المواقف , لكن هي كلمات كتبتها , لأعرض وجهاً نيراً , من وجوه أبناء هذا الدين , و ألقاكم في الحلقة القادمة وهي الحلقة الأخيرة , دمتم بخير
نسيم نجد


الحلقة الأخيرة

اليوم الأخير

هذا اليوم هو يوم فسحة و استجمام و نظرة على بعض جوانب نيروبي المشرقة , هو يوم راحة من أعمال الأيام السابقة , لقد تم تحديده للتنزه , و الخروج برحلة سفاري إلى أحد الغابات القريبة من العاصمة نيروبي , تم الاتفاق أن تكون بداية الرحلة مع شروق الشمس , حتى يتم تتيع الحيوانات و هي تظهر من وسط الأشجار , أو تخرج من مخابئها , وتنظر إلى من حولها عبر فوهة جحورها , و إلى الطيور وهي تتبين من بين الأغصان , و تستعد لبدأ رحلة البحث عن المأكل مع الصباح الباكر , في هذه الرحلة تم استئجار سيارة خاصة , مجهزة بشبك حماية …

في رحلات السفاري تنعكس الآية , فالحيوانات هي الحرة الطليقة , و بني البشر في داخل الأقفاص المغلفة بالحديد مع كل مكان, وذلك للخوف الذي يهددهم من مخاطر الحيوانات المفترسة , هي نزهة في غابة مفتوحة , حيث تجتمع كل الحيوانات في تلك الغابة على اختلاف أشكالها , و ألوانها , و طبائعها . الحيوانات تجتمع في بيئتها المفترسة و الأليفة , الزاحفة ,و الطائرة , المتوحشة , و المستأنسة , كلها تحت تلك السماء وفوق تلك الأرض , يجمعا مكان واحد , و يفرقها طباع مختلفة , و الكل في صراع مستمر من أجل البقاء…

هي خطوات بسيطة تفصلك عن مواجهة الأسد ملك الغابة الذي يمشي مشية الخيلاء بخطواته الواسعة , و بأنيابه الظاهرة ,  و بشعره المتدلي . و من خلفه اللبوة  ,  و هناك الفهود , و النمور , و الذئاب ,و الضباع . و كل السباع بنظراتها المفترسة , هذا المنظر يجعلك تتأمل و تقف حائراً , و متعجباً من قدرة الخالق الذي زرع تلك النفوس بتلك الطباع المختلفة , و جعل بينها ذلك التفاوت العجيب , و جمعهم في أرض واحدة..ثم قسم بينها أقواتها..

أما على رؤوس الأشجار فقد تعلقت القرود التي تتنقل من شجرة إلى شجرة , فتارة تقفز بين الأغصان , و تارة تلاعب أطفالها , و مرة تصرخ بصوتها المزعج , حتى تطير كل الطيور التي فوق الأغصان من صوت القرود الحاد  , و يختفي صوتها الصداح المحبب للنفوس , وفأصبح الكون فاقداً لألحانها الجميلة التي تشدوا بها فتأنس لها الأسماع , لقد طارت من أغصانها بعدما كانت تطل من عليائها و تشاهد العالم من مكانها ….

أما الفيلة , فهي بكل مكان , بأجسامها الهائلة , و بخراطيمها المتدلية , و بمنظرها الغريب على الأطفال , و بنظراتها الصامتة الحزينة , لها أجسام عظيمة لكن من ينظر إليها يجد أنها مسالمة حزينة ..فسبحان الله الخالق..

, هناك الأشكال , و المناظر , و المفارقات تسرق الألباب , بل يتجمع أكثر من كل ذلك في صعيد واحد , فبينما أنت في الغابات السوداء الكثيفة , ومن خلال الأشجار المتراصة , تظهر لك لقطة سريعة , حيث تمر من أمام عينيك غزلان هاربة من قبضة سباع مطاردة , فماهي إلا لحظات فتكون في نجاة أو قد فارقت الحياة ….

و أمام هذا السحر العجيب في عالم الطبيعة , كل شيء يجعلك تعيش لحظات فريدة , فالسماء عندما تظهر من بين الأغصان , تبدو كسماء صافية , تنفذ من خلالها أشعة الشمس الساطعة , و تنتشر فيها الطيور المحلقة , غير ماينتشر فيها من قطع متناثرة من السحب المتفرقة , وماهي إلا برهة , فتتغير تلك السماء الصافية إلى سماء داكنة , قد لبدتها الغيوم الكثيفة , فتبرق و ترعد , فيضيء ما بين السماء و الأرض بألسنة البرق , ثم يتبعها صوت تجلجل له الأرض بجبالها و تدوي بوديانها , إنه الصوت الناتج من الرعد , فتنهمر السماء بالمطر , كخطوط متصلة أولها في السماء و آخرها في الأرض , فما يكون من الحيوانات إلا أن تهرب , من تلك الأصوات و القطرات و ذلك البرق الذي يكاد أن يخطف الأبصار , فتبحث الحيوانات لها عن مأوى وملاذ فيه تحتمي , فلا تجد سوى أطراف الغابة المكتظة بالأشجار المتراصة , حيث تعتقد أن القطرات لا تصلها , و أن أصوات الرعود بعيدة عنها , و شعاع البرق الخاطف لا تراها أبصارها , و لكن بلا جدوى , و بعد برهة ..تبدأ قطرات المطر تتساقط من الأشجار مكونة جداول صغيرة , وهذه الجداول تتجمع حتى تكبر شيئاً فشيئا , مكونة وادياً كبير , يصب في بحيرة قريبة . وبعد حين تنقشع السحب , و تبدأ أشعة الشمس تزاحم الأوراق , و تبحث لها عن منفذ , لتنفذ و تطل بخطوطها البسيطة على أرض الغابة . منظر ساحر آخر , فبفعل القطرات و أشعة الشمس , تتكون خطوط الطيف في سماء الغابة , بشكلها المقوس و ألوانها الباعث في النفس السرور , فما يكون لنا إلا أن نبحث عن مخرج من كثافة الغابة , ومن الأشجار المتراصة , فينفرج ذلك الظلام الناتج عن تلاصق الأشجار , فتظهر أرض خضراء منبسطة , لا يحدها سوى سماء صافية , فيظهر منظر بديع من صنع الرحمن , حيث يسفر عن بحيرة زرقاء التقت بزرقة السماء , و في وسطها و من حولها العديد من الحيوانات المائية و البرمائية و الكثير من الطيور التي لا نعرفها ….

وعلى أطرافها تلك البحيرة تجمعت مجموعة من الحيوانات الأليفة , اجتمعت لترتوي من الماء , و لتخفف عنها حر الشمس اللافحة , و تبلل جسمها في هذ البحيرة الباردة , وهذه البحيرة هي نتاج نهر جاري قادم من سفوح الجبال , و من تساقط الأمطار , وجداول منسابة قادمة إليها من أطراف الغابة ..

منظر الحيوانات على أطراف البحيرة يوحي بالنشاط , و يشعرك بالراحة , فهي في حركة مستمرة , و مظاهر بهجة , فتجد مجموعة تخوض بالماء , و تتقلب فيه مجموعة أخرى , و تشرب من على أطرافه مجموعات , سماء البحيرة مليء بالطيور المحلقة ,و أرضها مليئة بالحيوانات العطشى , لكن كلها خائفة تترقب من مباغتة السباع التي تقلقها كل حين و تتحين الفرصة لمهاجمتها..

أما من المناظر التي تشاهدها و تعلق بالذاكرة , فهو منظر الزرافة بطولها و شكلها الفارع , و هي تحاول أن تلتقط طعامها , و على ظهرها قد استراحت بعض الطيور الطائرة , في منظر جميل . تخرج من هذا المنظر الجميل , حينما يسرق عينيك منظر منه أجمل , وذلك عندما تعبر مجموعة من الحمير الوحشية بأشكالها المخططة , فتطاردها العيون حتى تختفي في وسط الغابة , أما سحر الآذان فحدث و لا حرج , فمن كل مكان ينبعث صوت , و من كل مكان يدوي صوت , هناك الأصوات المرعبة من زئير الأسود , و مضحكة مثل أصوات القرود , و نهيق الحمير, و باعثة للأمل مثل زقزقة و تغريد الطيور..

و باعثة على الحزن من نعيق الغربان , و أصوات النسور , و البوم , غير ما تسمعه كل حين من طلق ناري هنا و هناك من فوهات بنادق الصيادين , وناهيك عن أصوات شلالات الماء المنهمر و تساقط قطرات المطر المستمر , فسبحان الله . هناك و عبر هذه السيارة المجهزة خصيصاً للتنقل في الغابات , تحس بأنك في فلم وثائقي عن عالم الطبيعة …

لقد استمتع الأطفال بهذه المناظر و هذه الرحلة , فلأول مرة يحسون أنهم قد لامسوا الطبيعة , و أنهم على بعد خطوات من أشد الحيوانات المفترسة خطراً , فقد اعتادوا أن يزورونهم وهم في أقفاص , و اليوم الأطفال في أقفاص و الحيوانات تتفرج عليه , و تتأملهم , و تريهم منازلها , و تزودهم بأصواتها , و تظهر على طبيعتها و بكل صفاتها , إما بطبيعتها الأليفة أو المفترسة . بعد تمام هذه الرحلة و التي كانت هي الوداع لأفريقيا , انتقلوا إلى مكان آخر …

هو مطعم الغابة الذي يقدم بوفيه مفتوح بمبلغ 50 دولاراً , و يقدم مشويات لجميع لحوم الحيوانات في الغابة , فما عليك إلا أن تختار من اللحوم ما يناسبك , و يتم شواؤها و تقديمها لك بطرق مختلفة , عشرات الأنواع من اللحوم التي تم جلبها من الغابات أو المزارع القريبة , الغزلان , المها , الأبقار , الأغنام , الأسماك , الطيور بأنواعها , حتى التماسيح لم تسلم من قبضتهم , فلا يحدهم حلالها من حرامها , رائحة الشواء تنبعث منتشرة في أرجاء ذلك المطعم , و صوت الشواء يجعلك تتذوق الوجبة قبل أن تقدم , أصوات الأفارقة تدوي في ذلك المجلس , ورواده من الغربيين ينظرون و باستغراب لهذه الصنوف المتنوعة و تلك الطريقة الجديدة للعرض و التقديم . و عندما انتهوا من تناول و جبتهم , وخرجوا من المطعم ..

مرت السيارة على بعض الباعة في الطرقات , فالباعة الذين يبيعون ما عملته أيديهم من أجل كسب عيشهم , أو مما قطفته أيديهم من ثمار الأشجار و ذلك للاتجار و سد جوعتهم , تجدهم يقابلونك بابتسامة الرضا التي تعلوا دائماً وجوه البسطاء من الناس , كأفضل طريقة للتعامل مع ظروف الحياة القاسية , و تختفي تلك الابتسامة بالتدريج , عندما يشعرون أن أملهم بنزول ذلك السائح إلى محلهم و الشراء من مبيعاتهم قد كان أمل فتبخر , فيلبثون في أماكنهم حتى يتبين لهم رؤية سائح جديد , فيطلقون ابتسامة جديدة , من ابتسامات الرضا…

المساء الأخير…

عاد زوج أختي , وأختي و أبناؤها إلى كوخهم لكي يكملوا استعدادهم للرحيل , و لملمة باقي أغراضهم , فهناك سوف تطوي الصفحات , و تودع الأيام , و وتختزل الذكريات , و تنسى الأحلام , و تبدأ الآمال من جديد , و يعود شريط الحياة لدورته , هناك سوف تطوى صفحة مشرقة من صفحات الحياة , سوف تخزن في الذاكرة عن تلك البلد ذكريات , و سوف ترسم عبر و حكايات , و سوف تستمد النفس عطاؤها من بقايا أعمالها هناك , هي تجربة امتدت لمدة شهر و نصف لكنها هي تجربة تغذي فروع الحياة الدعوية ,
فعندما حل المساء , جمعوا أغراضهم , و نام الجميع مبكرين استعداداً لصبح الغد , لصبح السفر , و في لحظة سكون الليل و هدوء الأصوات , خرجت أختي تقلب بصرها في أركان كوخها , خرجت تقلب لياليها و أيامها , خرجت تقلب صفحات أحلامها التي أنقضت , خرجت و كل شيء يذكرها بأشياء جميلة , خرجت و تذكرت يوم أن دخلت أول يوم , خرجت وخرجت زفرة من الصدر تكاد أن تذهب بالروح , نظرت عن يمينها و إذ بابا غرفة أبنائها يخرج منه نور بسيط يخط على الأرض رسماً , و كأنه يناديها أن تعالي إلينا و ودعينا , و دعي غرفة سوف تحن لأنفس أطفال تقلبوا فيها , ودعي غرفة سوف تفقد جدرانها أريج أطفال ناموا فيها , ودعي غرفة سوف تفقد أصوات أطفال كان صوت قراءة القرآن يترنم فيها , دخلت إلى غرفة أبنائها , وجدتهم متراصين بجانب بعضهم , وقد أبعدوا عنهم الناموسية الواقية من البعوض , بعدما صار البعوض صديقاً لهم , بالأمس كان أزيزه يدوي ليلسعهم , و اليوم أزيزه يسمع ليودعهم , كم جار عليهم , و اليوم لو كان يعلم مقصدهم لاعتذر إليهم , نظرت إلى زاوية من الغرفة , و إذا بالشنط قد أقفلت معلنة بدأ رحلة الرحيل المر , فخرجت لكي تنسى و لو لحظات تلك اللحظات , هربت من سويعات الفراق المقدرة , خرجت من غرفة أبنائها , و نظرت إلى الصالة فاستعادت شريط ذكريات , بساط مفروش في وسطها , جدران خشبية محيطة بها , المسامير المعلقة على الجدران كشماعة بسيطة , ياه ما أجمل العيشة البسيطة , ما أجملها إن كانت في سبيل الله , نافذة وسط الجدار الخشبي تصدر أصواتاً من تأرجح دفتيها , نظرت مع النافذة إلى السماء , ما أجمل سماء نيروبي , هذه السماء و تلك الأرض التي كان دوماً يتغنى بها زوجها , نعم كم كنت محقاً يازوجي بعشقك لتلك الأرض , و بحبك لذلك السبيل , قلبت بصرها في السماء فإذ بالنجوم ساطعة , و السماء صافيه , و القمر قد لاح نوره , فكان نوره يبحث تلك الليلة عن نوافذ مفتوحة في أرجاء المدينة لينفذ إليها بشعاعها , و يشاركهم إن كانوا وحيدين , أو يؤنسهم إن أن كانوا غرباء , و يسامرهم إن كانوا سعداء , لم يجد في أكواخ نيروبي من يستحق الزيارة سوى نافذة , مفتوحة تجلس بالقرب منها فتاة , قد أطلقت العنان لبصرها بتفحص أطراف المدينة , مع تلك النافذة كان شعاع القمر ينافس نسمات الهواء للنفوذ إلى أطراف هذا الكوخ المودع , كان يطل عليهم القمر من النافذة , فيتلمسهم بنوره , و يلامسهم بشعاعه , و يرسم شعاع القمر شكل النافذة على أرضية الكوخ , و ترسم في الأرض خطوط الأنوار القادمة من أبواب الغرف الموصدة , فتكونان تلك الخطوط لوحة شعاعية رائعة جميلة , عادت أختي إلى كرسي قريب من النافذة , لكي تسمح بشعاع أكثر ينفذ إلى الغرفة , جلست قريبة إلى النافذة , و تحت ضوء القمر , و بمنظر يطل على نيروبي التي انغرس اسمها في قلبها , جلست تفكر بطالباتها , في مركز المهتديات , بتلك الوجوه السمراء , بتلك العيون الصافية , ضحكاتهم , آمالهم , مشاكلهم , أحلامهم , يالهم من أناس لطفاء , صبغتهم الحياة بصبغة البساطة , وزادهم الإيمان من النقاء زيادة , تبتسم تارة , و تدمع تارة , و تتأمل تارة , و تفكر تارة , تعيش الكثير من اللحظات , التي عاشتها هناك , لقد تذكرت كيف كان وداعهم لها في يومها الأخير , كيف سكبت دموع , و لهجت بالدعاء السن , و التاعت بالفراق قلوب , كيف ستفارق أخواتها من المهتديات الجدد , و كيف سيواجهن حياتهن الجديدة , أسئلة كثيرة , و كل إجاباتها تنتهي بالأمل بأن الله لن يضيع غرسها , و أن الله سوف يحفظ أخواتها , لم تزل تدور بها الأفكار و التأملات , حتى تنبهت على صوت المذيع الداخلي للطائرة , أن استعدوا للهبوط في مطار الملك خالد بالرياض , فإنتهت صفحة من صفحات تلك الفتاة التي عادت من وسط الأدغال و أشعلت هناك للدعوة منار

بعدما عادت من تلك الرحلة , بدأت تفكر من جديد متى تعود إلى تلك الأرض , و فعلاً عادت مرة أخرى , إلى هناك , و لكن هل أعود أنا إلى سرد الرحلة الأخرى أم لا , لا أعلم ..

فبوركتم أخوتي يامن ركبتم معي هذا المركب الدعوي , و بوركتم يامن كنتم مشعلاً أضاء الله بكم دربي , فأكملت به المتبقي من صفحاتي موضوعي , اعذروني على تقصيري , و اعذروني على أخطائي و تجاوزاتي , فقد نقلتها لكم من قلب أختي إلى قلوبكم و كلاهما أكبر من قلبي , فإن كان هناك من نقص بها فلوموني و لا تلوموها فأنا المقصر بحقكم , و لكم منها السلام و الدعاء و الشكر و التقدير

في الختام :
أخوتي و أخواتي
هذا طريق النبوة , هذا طريق الدعاة , بدأه نوح عليه السلام , و أخذ ألف سنة إلا خمسين عاماً , يجاهد في هذا السبيل , و لم يتبعه إلا القليل , رغم ذلك لم ييأس و لم يفتر , و استخدم كل وسائل الدعوة معهم لعله أن يظفر بالقليل منهم , قال الله سبحانه و تعالى : (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10)) سورة نوح و ختمه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و سلم , و ختم الرسالة بأن تمت النعمة على الأمة و ذلك بقول الله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) سورة المائدة

أخي الفاضل…
ابحث عن نفسك في أحد دروب الحياة , حياة لأنبياء والدعاة المصلحين , و سر في طريقهم و انهل من معينهم , فأرض الدعوة هي أرض الجميع , تجمع كل أفراد الأمة باختلاف طباعهم , و أنواعهم , و أجناسهم و صفاتهم , فانظر إليها في عهد الصحابة , حوت صاحب القلب الرقيق أبو بكر الصديق , و احتوت الفاروق ممنكانت تخشاه أهل الأرض , و خالد بن الوليد القائد الصنديد , و شملت عثمان ابن عفان التاجر الأمين , و نُصرت بصهيب الرومي , و رُفعت ببلال الحبشي , و نُقلت برواية أبي هريرة , و بابن عباس حبر الأمة , و الكثير الكثير من الصحابة و الأعلام , فلا تقل إن الدعوة قد خصص بها ناس أو أجناس يحملون صفات معينة , بل هو طريق طويل , يصله أصاحب النفس الطويل , هو طريق عريض يشمل كل من ينطق بالشهادتين , فابحث عن نفسك في دروبها , تنل الأجر العظيم .
أخوتي …
مطلوب منا أن نكون دعاة , لديننا في رحلاتنا , مطلوب منا أن نكون دعاة بكافة مظاهرنا , بتعاملاتنا , في أخلاقنا , في تصرفاتنا , حتى في أبسطها , في أن نرسم الابتسامة على وجوهنا , إنها الدعوة الصامتة التي تؤثر بأشد القلوب صلابة , هي دعوة مني و أنا المقصر , بأن ندعوا في كتاباتنا بكيفية الظهور بالمظهر الذي يليق بنا كمسلمين , بأن نكون بالشكل الذي يجعلنا كخير أمة أخرجت للناس , فكيف نكسب القلوب , و كيف نُظهر هذا الدين , هذه مسؤولية الجميع , علينا أن نزيده في القلوب بالتناصح , و التوجيه , فعندما نحذر أبناء جلدتنا من الوقوع , في مغبات الفساد , أو براثن الرذيلة , أو مواطن الرديئة , نكون قد حميناهم من خطر يتربص بهم , و أوقدنا الإيمان في نفوسهم و نفوسنا , و تجنبنا مزالق الهوى , و منحدرات الردى , لنجعل حروفنا فيها دعوة إلى الطريق القويم , و التمسك بالصراط المستقيم , و مثال يقتدى به لمن يسيرون معنا أو يتابعوننا , فهو طريق سهل على من سهله له رب العالمين , فكيف لا و قلوب أبناء الأمة , فيها الكثير من اللين لو وافقت الإرشاد بالحكمة و الموعظة الحسنة , فهذا الدين قد أعجب به من كان في ظلال مبين , فكيف من تربى في كنف هذا الدين , و لعلي أورد بعض الأمثلة لأناس من ملل شتى , و نحل مختلفة , رأوا أن هذا الدين هو المخلص من الكثير من الهموم , بل وجدوا به أنه هو الطريق المستقيم الذي يبحثون عنه من سنين …

فهذا انجرام اسكتلندي شارك في الحرب العالمية الأولى درس الكثير من الديانات و انتهى به المطاف إلى مخرج سينمائي في هوليود , ثم قادته دراساته إلى أن الإسلام هو الطريق الصحيح يقول : أنا اليوم أبن الإسلام و إني سعيد أكثر مما كنت في أي يوم من أيام حياتي , و في مدينتي الغربية و مع ثيابي الغربية سعيد كمؤمن يدين بالإسلام الخالد الذي هو أكمل دين سماوي ارتضاه الله للبشرية
أما , ماريا اوليفر , مسيحية درست البوذية و الهندوسية , و وجدت الراحة بالإسلام , فاعتنقته تقول  ( أعظم فضيلة لإسلام أنه يأسر قلوب البشر بصورة تلقائية و من أجل هذا تجد في الإسلام سحرا غريباً و جاذبية عظيمة تجذب إليها ذوي العقليات المتفتحة من غير المسلمين )
و هنري دي كاسترري يقول : وجعلت أشاهد المصلين وأسمعهم بصوت مرتفع , الله أكبر , الله أكبر , فكان هذا الاسم الإلهي يأخذ من ذهني مأخذاً لم يوجد في دروس الموحدين ومطالعة كتب المتكلمين , و كنت أشعر بأنهم في صلاتهم تلك أرفع مني مقاماً و أعز نفساً , و هم يكررون إلى ربهم صلوات خاشعة تصدر عن قلوب ملئت صدقاً و إيماناً , فأحسست أنني منجذب بحلاوة الإسلام كأنها أول مرة شاهدت في الصحراء قوماً يعبدون خالق الأكوان .
تقول قرة العين وهي سيدة أمريكة من أسرة مسيحية من نيويويورك , وجدت نفسي سعيدة لأنني أخيراً وجدت الدين الذي يمكنني من التعامل مع نفسي وربي أولاً , و على أساس سليم مما ينعكس في تعامل صحي و أخلاقي مع باقي أفراد المجتمع  كنت شعر أن شيئاً ما فيما أقرأ , يقنعني عقليا و يملأ فراغاً روحياً من قلبي كذلك , كنت أشعر و الحمد لله بأنني اقرأ عن دين جديد وليس بجديد على نفسي , باختصار وجدت في الإسلام الرضا الذي كنت أنشده من قبل عندما كنت مسيحية أبحث عن الحقيقة فلا اهتدي إليها
أما السياسي و الصحفي الهندي كوفهي لال جابا  ليس هناك دين آخر غير الإسلام لديه الإمكانيات لحل كافة مشكلات الناس في العالم الحديث , وهذا امتياز الإسلام وحده .
ويقول : المؤرخ البريطاني توماس ارنولد : كان المثل الأعلى الذي يهدف إلى أخوة المؤمنين كافة في الإسلام , من العوامل القوية التي جذبت الناس بقوة نحو هذه العقيدة .
وكذلك يقول : الأديب الأماني غوته : إذا كان هذا هو الإسلام أفلا نكون جميعاً مسلمين ؟
و يقول العالم الفرنسي موريس بوكاي : لقد قمت بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق و بموضوعية تامة , باحثاً عن درجة اتفاق نصي القرآن و معطيات العلم الحديث , فأدركت أنه لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث .

هذا رأيهم , فأرونا رأيكم على أرض الواقع , شعاعاً ينير للعالم المشارق , و تشرق لكم به الصحائف , أسأل الله العظيم أن ينفعنا بما علمنا و أن يعلمنا ما ينفعنا ,كتبت ما كتبت , فقد أكون أصبت أو أخطأت , فإن أصبت فمن الله , و إن أخطأت فمن نفسي و الشيطان فاستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم

و أسأل الله أن يجزيكم خيراً على متابعتكم , و ردودكم , و صبركم , و تحملكم , فأسأل الله أن يلغنا و إياكم الدرجات العلا , و أن يجمعنا و إياكم في الفردوس الأعلى
و السلام عليكم ورحمة الله بركاته

أخوكم / نسيم نجد
ملحوظة :
المقولات الغربية منقولة من كتاب : قالوا عن الإسلام , للدكتور عماد الدين خليل
أما الصور فهي من مواقع الإنترنت .

أما القصة فقد صغتها بأسلوبي حسب سماعي من أختي و أخي و بحسب ما سمعته من قبل من أبي و أخي الآخر الذين كان لهم شرف الوصول إلى تلك الأرض فإنزدت فتقبلوها بعذر و إن نقصت فسامحوا أخاكم و قدموا له العذر .

وأعذروني إن لم أرد على مشاركاتكم و حماسكم و ردودكم في القصة فلعلمي أنكم أعلى من كلماتي و شكري فكان الصمت أجدى .

في الختام هناك مقولة للشيخ عبدالعزيز بن باز :
الحياة في سبيل الله أشد من الموت في سبيل الله

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

سعودية وسط الأدغال الأفريقية ( الأخيرة )

اليوم الأخير   هذا اليوم هو يوم فسحة و استجمام و نظرة على بعض جوانب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.