سعودية وسط الأدغال الأفريقية ( 1 )

رحلة أختي الدعوية وسط الأدغال الأفريقية
البداية :
لم يكن الحب الذي يجمعني بها وليد اليوم فقط , ولا الود الذي يسبغ علاقتنا نتيجة الأمس فقط , بل هو مزيج منهما نشأ , فظهر عبقه بشكل جميل غريب , كان احتراماً و تقديراً و حباً , بل كان سحراً …فهو لم يكن محض إرادتي , بل سرقت حبي و احترامي و ودي من خفقات قلبي ، إنها أختي التي تكبرني بسنتين .

أبصرت بها صغيرة هادئة , لكن كانت علاقتي بها صاخبة , , فكنا طفلين متقاربين بالسن و متنافسين على كل شيء و متناحرين على أي شيء , كنت أنا الأصغر وبداخلي أني أنا الأكبر , فالمجتمع يجعل الذكر هو الأكبر مهما يكن و بغض النظر عن العمر . كنت أحب أن تُسمع كلماتي الرجولية الصغيرة خاصة عندما أرسلها بقوة إلى أختي الكبيرة . كل تلك الذكريات تمر كطيف سريع أمام عيني و أنا أحاول اليوم أن أكفر عن أخطاء الأمس , فاليوم أعود بالذاكرة إلى الوراء , و أتعجب كم تمضي السنون سريعة , و تتساقط ورقات العمر متلاحقة , و كيف ودعتنا تلك الأيام الخوالي من سني الصبا , أتذكر بيتنا الطيني القديم , و أتذكر جدتي التي كانت تنير جنبات البيت , و تظهر صورتنا مبتسمة و نحن حولها نتسابق لنيل رضاها و ذلك أملاً في عطاياها , و لقد كانت أختي هذه أقرب الأطفال وصولاً لجدتي , و استطاعت أن تنال جل رضاها و أن تحوز أغلب حبها , وكانت جدتي – رحمها الله – تُعرف بتدينها في البلدة , و حبها للخير , فنشأت تلك الصغيرة في ظلال جدة صائمة لله قائمة . لقد تأثرت تلك الصغيرة و تأثر الجميع من طاعتها , فالكل لا يذكر جدتنا إلا وهي في صورتها التي أعتدنا عليها في سجادتها تصلي لله راكعة ساجدة .
 و في أيام الصيف في ذلك الزمن كنا ننام في فناء المنزل هروباً من الحر الشديد , فعندما أستيقظ من نومي في بعض اليالي و أبحث عن أخوتي على ضوء القمر تتراءى لي صورتها وهي واقفة بين يدي ربها تناجيه , وتتضرع إليه بوجل و خشوع , فلا أعلم كم تنام من الليل من كثرة قيامها لله . أما وقت الظهيرة ووقت الحر , فلا أتصورها إلا وقد بللت ثيابها بالماء لتتقي حرارة الشمس ليخفف عنها ظمئ صيامها , بل لقد كان لها طرق كثيرة بتغيير المنكر ما أمكنها ذلك , فكم دفعت جدتي لأختي الصغيرة مبلغاً من المال لتزيل الصور المرسومة على علب المعلبات التجارية , فتجلس أختي تحك كل الصورة بكل ما أوتيت من قوة , وجدتي تشجعها و تبذر حب أزلت المنكر بقلبها و بيدها . لقد كان يوماً حزين يوم أن علمنا بخبر وفاة جدتي – رحمها الله رحمة واسعة – , فأظلم البيت من بعد نور , وضاقت الأنفس من بعد سرور , وفقدنا الأنس في أرجاء البيت , وغابت المناجاة و صبغت بالكدر الحياة , وطويت سجادة لطالما عمرت بالصلاة , و أخذ هدوء الليل يبحث عن صوتها , ونور القمر يبحث عن مصباحها الذي تضيئه لتتلمس طريقها أثناء قيامها لصلاتها في ليلها , و النجوم تتساءل عن دموع طالما برقت في عينها , و الشمس تعتذر إليها من حرها الذي كانت تتبرد منه في صيامها , بل أن خيوط الشمس تبحث عن تلك العلامات التي وضعتها في فناء البيت لتستدل بها على مواقيت الصلاة , لقد غابت عن بيتنا تلك العابدة التي تملؤه تقرباً و طاعة , غابت تلك الشمس المضيئة و القمر المنير , فكم ستفقدها من يد فقير , و كم سيبكيها من قلب يتيم , و كم سوف تنتظرها عين حبيب , غابت و تركت أثراً كبيراً في نفوسنا لا يغيب , إنه المصاب الذي أصاب الجميع . أما مصاب أختي فكان أكبر , فهي التي اعتادت على ملازمتها , و على تلبية طلباتها , لقد رحلت عندما كانت أختي في السنة الخامسة عشر من عمرها , ومضت سنين ثقيلة لم تستطع أن تنسيها أو تنسينا تلك العابدة الزاهدة , وبعدها بسنوات تقدم من يخطب أختي بعد أن وصلت سن الزواج , و رحلت عنا إلى حياتها الزوجية الجديدة , رحلت و نحن ندعو لها بالتوفيق , ونحمل لها حباً لا نعرف متى منه نفيق .
لقد كان أثر جدتي على أختي واضحاً وأثر في شخصيتها , فسارت على آثار جدتي في كل شيء في حياتها و من بعد فراقها , فهي تبحث عن الأعمال الدعوية في كل مكان , و تحب أعمال الخير متى ما كان , وساعدها في ذلك كونها مدرسة مواد شرعية , فأصبحت تخالط الفتيات و تتعرف على همومهن و تعلم ما يكابدنه من مغريات العصر و فتن الزمان و صارت لهن كأخت بارة و شقيقة عليهن خائفة فحملت الخوف عليهن بين أجنح صدرها , بل وسارعت بأن تعمل لهن ما يرشهن لطريق السداد , فأقامت الجمعيات التوعوية , و الأنشطة الدعوية , وحلقات التحفيظ , و تعمل ليل نهار لخدمة هذا الدين , وتعاظمت المسؤوليات و زادت بعدما رزقت بالأولاد , و لكن لم يشغلها ذلك عن طريق النبوة , بل جعلت أبنائها مشاعل من نور يستضاء بهم في ظلام الليل الدامس , فكن بنياتها الصغيرات يقمن اللقاءات الدعوية , و الدروس المصغرة للطالبات , و استطاعت أن تهيئ الجو المناسب لزوجها الذي لا يفتر من السفر للخارج للدعوة إلى الله , فعشرات الدول و مئات القرى و المدن التي زارها , و الكثير من المناشط التي يتبناها في عمل دائم دؤوب لا يعرف الملل أو الكسل , فيستحقر المرء نفسه عندما يرى من أمثاله من الرجال و كيف يعملون لهذا الدين , همهم نصرت إخوانهم في كل مكان , و نحن عن الدين و إخواننا غافلون .
ذات مرة عندما كان زوجها يهم بالسفر لدولة كينيا من اجل المشاريع الدعوية , فكرت أختي أن تخوض غمار تجربة الدعوة إلى لله في أفريقيا , فكيف لها بذلك ؟ وهي التي لم تسافر قط لتلك الدول , أو كيف لها بذلك ؟ و هي التي قد رزقت بثلاث بنيات , فالسفر بهن خيار صعب , و تركهن أصعب , ولكن كان هناك باعث من داخلها , يملي عليها أن تخوض تجربة الدعوة إلى الله في أفريقيا , رغم العوائق و المثبطات التي تقف في طريقها , و أخيراً انتصر داعي الخير على كل داعي
و إليكم رحلت أختي الدعوية , في بلاد الأدغال الأفريقية( كينيا ) إليكم الحكاية من البداية حتى النهاية
تابعونا في حلقات متسلسلة إن شاء الله

أخوكم : نسيم نجد
www.naseemnajd.com

روابط بقية الحلقات….

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

 الحلقة الخامسة

الحلقة السادسة

الحلقة السابعة

الحلقة الثامنة

الحلقة الأخيرة

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

سعودية وسط الأدغال الأفريقية ( الأخيرة )

اليوم الأخير   هذا اليوم هو يوم فسحة و استجمام و نظرة على بعض جوانب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.