الحلقة الثانية : باريسيات

باريسيات

في باريس …سكنت في مسكن صغير بسعر 60 يوغو – بنطق أهل ألمانيا – و سافرت بالقطار بسعر 98 يورو , و شربت الشاي بسعر 6 يورو, و رأيت تفاحة بسعر 5 يورو , و علمت أن الكافي بسعر 12 يورو , و طلبت البتزا بسعر لا أعلمه فقد أنسانيه الجوع . عندما تسافر إلى أوربا لا تقارن اليورو بالريال و إلا سوف تموت جوعاً , و تسكن في ظل شجرة , و تتنقل على بغل أعرج .

 

 

في باريس …إياك , ثم إياك , ثم إياك ..أن تسافر إليها بالسيارة, فالمواقف شحيحة , و إن وُجدت فأسعارها غالية , فقد تكون أجاراتك اليومية لموقف السيارة أغلى من السكن , و إن تجاوزت كل تلك المشاكل , فلن تنجو من قيادتهم الفوضوية المتهورة . لذا فقطارات الأنفاق هي الحل الأمثل لباريس . و هي الاختيار المناسب للمدن المكتظة مثل باريس و فينا , فكل طريق من طرقات قطارات الأنفاق يؤدي بك إلى معلم مشهور , أو يوصلك إلى مكان معلوم .

 

 

 في باريس …لا تستغرب إن رأيت الوجوه التي تراها على الشاشة ماثلة أمامك بشحمها و لحمها – خلك ثقل – ففي الشانزليزيه , شيوخ الخليج , و نجوم السينما , و كبار الأدباء , و مشاهير الكورة . لا تطاردهم بنظراتك , فتتعب عيونك من ذلك . فلا تستغرب إن رأيت رجلاً يمشي لوحده ,أو مع حاشيته , أو بجواره زوجته على أرصفة الشانزليزية , ثم يأخذك التفكير و تقول بنفسك… لقد رأيت هذا الرجل منذ قليل.. و لكن أين ؟!  نعم لقد رأيته على غلاف أحد المجلات , أو في أحد المباريات , أو ضمن أخبار القنوات . اعلم ذلك , و لا ترتبك إن جاوروك بالمقاهي الراقية , أو صعدت و إياهم في المصاعد المؤدية إلى الغرف في الفنادق الفخمة . 

 في باريس …تجد أن بيوت الأزياء تتنقل من دور العرض إلى الشوارع , فالملابس الغريبة الفضفاضة , و الجاكتات الأنيقة المفصلة بدقة و أناقة , و اللمسات الرائعة الناعمة , و غيرها من الملابس التي تجعلك تنظر و تتعجب بشدة , هل هؤلاء حقاً يلبسون بقناعة …أما أن شد الانتباه هو المقصد الأول . لا تفكر !! فإن أخذك التفكير بمثل هذه الأشياء . فسوف ينقضي الوقت عليك , و أنت لم تشاهد أهم معالم باريس , البرج أو قوس النصر . – بمعنى صحيح لا تدقق – .  

 في باريس …قد تجد فتيات الخليج و قد تزين بكل زينة , و لبسنا كل ملبس حسن , و خلعن ملبس الحشمة و الطهر . و استبدلن زينة الآخرة بزينة الحياة الدنيا الفانية . فتجدهن وقت الصباح بملابس . و في الظهيرة ملابس أخرى , أما وقت المساء فالفن كله في المساء , و هل توقفن عند هذا الحد . لأ….بل صبغن الوجوه بصبغات مختلفة , لتخفي آثار شمس الجزيرة المحرقة , أو تغير ملامح وجههن المتعرجة , أو يلفتن نظر الناس إليهن . فيكن محل للشفقة , و الرحمة , و الرأفة . فهن يحملن في وجوههن أصباغ من كل نوع , أصباغٌ من أشهر الماركات العالمية …و لكن هل يصلح العطار ما أفسده الدهر…لا أعتقد . لأ ..بل أجزم بذلك أنه لن يصلحه حتى و لو أجتمع كل العطارين .و لعلي أكن صادقاً و دقيقاً في الوصف , أن  حديثي عن البعض الذي ذكرته لا يعني الحكم على الكل .. فهناك نماذج مشرفة …فاللهم ثبتنا و إياهم .

 

في باريس … لبعض شبابنا اثر حسن في التنظيم , و الاكتشاف , و السياحة العصرية الحديثة . و لكن يبقى البعض من شبابنا – هداهم الله و حفظهم من كل شر – تجدهم في يتمركزون المقاهي و بين المطاعم يتنقلون , يتنقل من مكان إلى آخر, بيده جهاز جواله , و قد أعياه التراسل عبر البلوتوث , أو قد أتعبه تصوير كل شاردة أو واردة من بنات بلده , فتجده قد سهر ليله و نام نهاره . و بدأ يستعد منذ أن فتح عينيه من نومه ليلبس أحسن زينته , كيوم زفافه أو أشد زينه . و ما ذاك إلا ليضع رجل على رجل في أحد زوايا المقاهي , ثم يصير ..همه… كل همه.. أن يفتح عينيه بكل طاقتهما , و يشبع فضوله الذي استجمعه منذ سنة , منذ أن غادر باريس في السنة الماضية , ليوزعه على من حوله بنظرات تكاد تخترق الملابس .  

في باريس… للكشخة مكان من روادها من أبنائنا في هذا الزمان , فهم يشترون الموضات و ينافسون بذلك الأنيقات من البنات , و لولا آثار موس الحلاقة لبصمت من جميل أصباغه , و بديع هندامه أنه فتاة في ليلة فرحها . فهمه…كل همه أن يلبس كل جديد ,أو غريب من خطوط الموضة فيبهر من حوله بمنظره . و يعود من باريس بذكريات جميلة عن شارع الشانز و كم قابل فيه من ” فتاة لعوب ” …فتاة لم تفهم أن القيم هي القيم , و أن الحياء هو الحياء , و أن الله في كل مكان , و لم تعي أن الأحسان هي أعلى المراتب من الأيمان , فهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ..و زد على ذلك أنهم لم يفهموا كلهم معنى السياحة الصحيحة . أو يعودوا من تلك الديار و قد شاهدوا أشياء جديدة , أو تفتحت عيونهم على معالم تاريخية قديمة , أو استنارت عقولهم باختراعات تلك البلدان الكثيرة .أو على الأقل سلم منهم كل محافظ من و لتلك البلدان زائر . فنحن لا نريدهم أن يكونوا كأمثال سياح اليابان , يكتشفون المكان , فيتعرفون على كل صغيرة أو كبيرة من البلد , و لا نريدهم كالسياح الأمريكان بأيديهم خرائط , و لديهم أوقات منظمة للنوم و الطعام و التنقل . فقط نريدهم أن لا يذهبون إلى باريس و يتسكعوا في أماكن المليونيرات , و يدخلوا مقاهي أهل الوجاهة من رواد باريس من العالم , ثم نجدهم يسيئون إلى سمعتنا بتصرفاتهم الفجة , و يخجلوننا بطرق معاكساتهم السامجة , و يحرجون أهلهم و أنفسهم بطرق صرفهم , أو إسرافهم , أو تبخترهم أو عنجهيتهم في بلاد لا تقبل مثل هذا النوع من التصرفات المخالفة . مشهد يحزنني كثيراً , أن أجد شاباً قد اتكأ في أحد المحلات الأغنياء الفخمة و قضى ليله هناك و نهاره , و قد تكون كل تكاليف سفرته عن طريق سيارة داتسون قد قسطها فأكلت كل ماله . 

في باريس …ذهبت لمطعم عربي خاص بعمل الفطائر و البيتزا , و قلت له : هل مأكولاتكم تحتوي على لحم خنزير . فقال نعم فهل تريدها بلحم الخنزير؟! فقلت له : لأ ..إنما رأيتك عربي و استبعدت أن يكون لديكم ذلك …طلبت طلبي و جلست في زاوية لوحدي , و الناس تنظر إلي و في رؤوسهم ألف تساؤل . و  عيونهم تحمل ألف علامة استغراب و استفهام ؟!! و كلها تدور و تتحدث هل من المعقول أن يأتي شخص إلى باريس لوحده ؟ و بدون أن يكون معه شريك عمره . و لقد وجدت مثل وضعي يلفت إنتباهي عيون الأوربيين , فأجد فيها علامات الاستغراب في كل مكان . ففي ألمانيا عندما كنت أذهب إلى النزهات مع بعض الأصدقاء من جنسي , كانت نظرات الألمان تبدي الأستغراب و على طريقتهم الخاصة و تدور فيها الشكوك . هل من المعقول أن يخرج شخص مع رجال مثله . و لما ذهبت إلى فرنسا و بدون أصدقاء و بدون الزوجات لم تختفي هذه النظرات . و لقد تذكرت الطرفة التي تحكي أن لص وقف أمام القاضي و قد وضع يديه في جيبه , فنهره و غضب عليه القاضي , فقال أخرج يديك من جيبك . فقال اللص : وضعناها في جيوبنا فغضبتم , و وضعناها في جيوب الناس فسجنتمونا . فمثلي و مثل هذا الرجل هي تلك النظرات التي تلاحقني , سواءً كنت لوحدي أو معي بعض صحبي . فكل نظراتهم هي عتاب صامت . و لا أعلم هل ريحانة نجد أسرت إليهم أنني لم اصطحبها معي . فكان العتاب ظاهراً عليهم . 

في باريس …وقفت أمام معالم كثيرة , و هذه المعالم متنوعة و مختلفة , و تحكي مجالات شتى من فنون الحياة , فهناك برج إيفل بتصميمه الرائع, و ارتفاعه الشاهق , و منظره الجذاب ,و بعدد سياحه الهائل , الذي وصل في أحد الأعوام إلى 6ملايين . و من بعده متحف اللوفر بلوحاته و تماثيله و مقتنياته العالمية , و بلوحته الملونيزا الشهيرة , فهو متحف كبير يقبع على مساحة وقدرها 13 كيلومتر . و في ناحية من باريس تجد الحي اللاتيني بعراقته , و جامعة السوبرون بتاريخها  . و على حدود باريس أقيمت مدينة ديزنيلاند بصبغتها الأمريكية . أما القوس الشهير قوس النصر فإتخذ وسط  المدينة مكاناً له . أما القصور فقصر فرساي يتربع في أحد ساحات باريس .أما الشهرة الاكبر فقد نالتها جادة الشانز الذي يشق العاصمة من ساحة الكونكورد التي تحتوي على المسلة الفرعونية إلى ميدان شارديجول الذي يحتوي على قوس النصر , فهذه الجادة تحتوي على ثكنات لأجمل الماركات العالمية – اللهم عافنا و أبعد زوجاتنا عنها- . ايضاً يتبختر في أوساط العاصمة نهر السين و الذي يعتبر ميناء نهري يجعل العاصمة تستفيد منه بنقل البضائع عبره , و هو أيضاً مكان للنزهة لمن أراد أن يتمتع برحلة نهرية تجعل المرء يقضي أوقات نزهة رائعة , فمن خلالها يشاهد كيف تصطف المباني التاريخية على جوانب النهر بمشهد فاتن , و كأن السائح أمام عرض سينمائي . إن كل معلم تقف خلفه جبال من المعلومات , و لو أردت أن أطرح عليكم كل تلك المعلومات لن يكفيها كل هذه الصفحات , و لكن سوف أعرض عليكم بعضها من خلال هذا الموضوع .

في باريس …وقفت أمام برج إيفل , وقفت أمام أكوام حديدية هائلة , و نظرت إلى أعلاه فوقف فبصري في منتصفه أو أدناه , فعلوه شاهق , و إرتفاعه عظيم .و حتى تستطيع أن تنظر إلى أعلى نقطة منه يحسن بك أن تستلقي على ظهرك . و هو من أهم معالم باريس , فرغم ماتشتهر به باريس من قصور أثرية , و لوحات فنية , و مناظر طبيعية . لكن يبقى للبرج عامل جذب رهيب لزائر باريس . و الغريب أنه كان هناك الكثير من المعارضين الذين كانوا لا يؤيدون إنشاءه في الأصل بعد أن طرحت الفكرة . و ذلك بدعوى أنه سوف يشوه باريس .

في باريس …وَقَفت تحت البرج , فنزل أيضاً اثنان من الجنود الفرنسيين – ورانا ورانا -و هم يحملون أسلحة مهيبة . و نظراتهم تبحث عن شيء يبعث على الريبة . كانت حركاتهم تبدأ من أول البرج حتى آخره . و لعل احتفالات آخر السنة الميلادية تجعل التشديد الأمني على أشده . و لعلني خفت من هذا المنظر الذي تكرر , فغصت وسط الزحام لأحس بالأمن .

في باريس …نظرت إلى البرج بتعقيدات حديده , و عوارضه الغريبة . و نظرت إلى طوابير هائلة تنتظر أن تصعد إلى أعلى البرج , حيث تستطيع أن تحظى بنظرة بانورامية رائعة لباريس , و لمسافة تخرج عن دائرة حدود المدينة , و ذلك عبر المصاعد الكهربائية التي تستعملها برسوم محددة و بأوقات مقننة , أو لك أن تصعد عبر الدرج و بالمجان , و لكن لا تفرح كثيراً فإن ثمن ذلك قد يكون أدوية تعالج الشد العضلي جراء صعود ألوف الدرج للوصول لقمم البرج . و إن صعدت فسوف تظهر لك تقاسيم باريس , و تلمح قصورها , و الشوارع الممتدة من أولها إلى آخرها , و الأنهار التي تجري من تحتها , و تظهر لك العمائر كمجسمات صغيرة , و من حولها بشرُ يدبون كنمل يتحركون .

في باريس …نظرت إلى الطوابير العظيمة التي يطمح المصطفين خلالها أن يصلهم الدور من اجل أن يركبوا المصعد الذي يؤدي إلى الأدوار العليا من البرج , و لينعموا بالمطاعم التي تنتظرهم في أماكن عدة من فوق ذلك المرتفع الهائل . فلما نظرت إلى طول الطوابير , و كثرة المصطفين يئست أن أكون ممن سوف يرحب بهم في مطعم البرج . و ممن سوف يرجع خفيف المحفظة بعد أن ينعم بوجبة دسمة , وينال أصحاب المطاعم يوروات متعددة . ولكن من أراد الحل فإن هناك بعض العرب المقيمين في باريس يصطف بالطابور بالتأجير , فتذهب إليه و تعطيه مبلغ معين ثم تذهب برحلاتك خلال وقت الطابور , فيعاود الأتصال بك إذا أقترب الدور عليك لتأخذ محله , صحيح إن العرب ماخلوا شيء . – المعلومة مقتبسة من خلال خبيرنا أبو يوسف –

في باريس …تم استخدام برج إيفل للبث التلفزيوني , و البث الإذاعي , و مختبر لعمل بعض التجارب الفيزيائية عن الجاذبية الأرضية و قوى الحركة . و يتم أيضاً يتم صبغ البرج كل سنتين ويستمر العمل بادهان لمدة أشهر , و يستهلك بأطنان من الدهانات , و ذلك لحمايته من الصدأ .و يعمل على ذلك فريق متخصص مدرب .

في باريس …يقع برج إيفل بوسط ميدان تروكاديرو , فمن هناك يمكن التمتع بالمتاحف الموجودة داخل البرج , فأحدهما يحكي قصة إيفل و الآخر يحكي تاريخ البرج . و مع متعة العقل أيضاً تستطيع أن تمر على المطاعم المنتشرة فتزيد من متعة البطن .

 في باريس …يفخر أبناؤها بأنها مدينة النور , حيث كانت أول مدينة أوربية تضاء طرقاتها بالفوانيس عبر الجاز . ثم حور هذا التعبير في الوقت الحاضر ليعبر عن أضواء المدينة في علوم شتى , و معارف مختلفة . و لكن لأسف أنها صارت في هذا الزمن قبلة لبعض أبناء العرب و المسلمين في كافة جوانبها الحسن منها و السيئ . 

في باريس …يُرفع دائماً شعار الدولة ( حرية – إخاء – مساواة ) , و هذا ينطبق على فرنسا و باريس و بصدق و بكل ماتعنيه الكلمة , و يطبقونه بشكل تام , و لكن هذا الشعار يشمل جميع الاتجاهين السلبي و الايجابي , و هذا العرف الذي يتبنونه قد يكون غريباً على الآخرين و لكنهم يستمتعون به . حتى أذكر أن سبعة لاعبين أساسيين من منتخب كرة القدم لفرنسا و الفائز بكأس العالم لا يعرفون النشيد الوطني الفرنسي . و هم من أصول غير فرنسية . قد تكون مقولة صحيحة , أو مبالغ فيها بعض الشيء , و لكن تقبلوها و لا تنقلوها .

في باريس … تكثر المقاهي الثقافية , و التي تحظى بسمعة عالمية , و هذه المقاهي تعج بالرواد على طول السنة , و إن كانت في فصل الصيف تعتبر ملتقى للطبقات الثرية أو الثقافية أو أصحاب الشهرة العالمية , فقد تجد شيوخ و أمراء الخليج , و أدباء العالم ,و مشاهير الفن و الكورة , فلا عجب أن تجد ماكنت تراهم من خلف الشاشات الفضية بجانبك في أحد طاولات تلك المطاعم . و ابرز هذه المقاهي التي سكنت في جادة الشانزيلزيه مقهى LeFouquets (الفوكتيس باسم صاحبه ) أو الفوكيت و هو الأشهر على مستوى العالم, حيث يقع في تقاطع جادة الشانز مع جورج الخامس , و يتيح تربعه في هذه الزاوية الرائعة بمنح زائريه بإطلالة كاملة لعرض تلك الجادة , خاصة لمن تستهوية الجلسة على الأرصفة الأمامية للمقهى , و أما من أراد الخصوصية ففي داخل المقهى و في الدور العلوي مكاناً مناسباً لهم , هذا الموقع أيضاً يخوله أن يعطي لزائريه نظرة رائعة كاملة لجادة الشانز من ساحة الكونكورد حتى ميدان القوس , و قد يظن البعض أنه لفظ مقهى على هذا المكان يعني فقط أنه لتقديم مايطلبه زبائنه من بغيتهم …لأ…فهو له بعد ثقافي آخر…, و ذلك بعد أن أنظم لدائرة الآثار الفرنسية , و أعتبر رسمياً ارفع مكان ثقافي في فرنسا ,  أيضا هناك مقهى”LaDur” لا دوريه على نفس الجادة . وقد حُدث أكثر من مرة . و هو يقل عن صاحبه و لكن أيضا له من الزبائن من لا يفارقونه في كل زيارة للعاصمة الباريسية .

في باريس …تتم احتفالات رأس السنة في كل ميادين باريس , فالبرج يتحول مكاناً للألعاب النارية . و الشانزلزيه يغلق أمام السيارات و يخصص للمشاة في أيام لاحتفالات باريس , و فيه تُقدم الجاليات الموجودة في فرنسا كافة عروضها الاحتفالية . ففي أيام أحتفالات رأس السنة تكون باريس تحت عيون الأعلام العالمي , و ذلك نظراً لاختلاف مهرجاناتها , و تنوع احتفالاتها , و كثرة الجموع السياحية التي قدمت إليها من العالم أجمعه . في تلك الجادة صخب و استعراضات عالمية . تبدأ تلك الاحتفالات مع ساعة الصفر للعام الجديد و نهايتها مع شروق الشمس , هيث تهدأ المدينة , و يظهر الشانزليزية بعد صخب الليل بشكل آخر . فالأرض ممتلئة بالزجاج الفارغ , و الكثير منها قد محطمة , و بقايا الاحتفال تنتشر في كل مكان , فيعيش عمال النظافة في حالة استنفار خلال النهار لكي يعيدوا للحسناء جمالها . و لتستعد باريس لأستقبال زوارها مرة أخرى عندما يستيقظون من سباتهم عقب سهرتهم . و يقدر عدد الذين يجتمعون في ساعة الصفر للعام الجديد مايزيد عن مليون شخص في جادة الشانز فقط .

في باريس …و أيام احتفالات نهاية السنة , كل شيء يضاء بالأنوار الملونة . فالأشجار تتلألأ , و المباني تظهر بأجمل شكل .فالكل يعلن الفرح بزوار باريس .

في باريس …المتحف متنوعة , و القصور رائعة , و المزارات و المعالم مدهشة , و تبقى الذائقة هي التي تحكم على اختيارات الأشخاص .

في باريس …زيارة المعالم الشهيرة لها ضريبة , فالطوابير الطويلة , تأكل الصبر , و تقضي على الوقت . فكل المعالم تحتاج إلى أن تقضي وقتاً ليس بالقصير بالطوابير المملة . فإن توجهت إلى قوس النصر , أو برج إيفل , أو قصر فرساي , أو متحف اللوفر . فتجد أمامك أمة بشكل طابور طويل متعرج يبدأ من بوابة المعلم و ينتهي إلى مالا نهاية , و عندما تنظر إلى هذا الطابور تجد أجناس مختلفة يمثلون دول شتى من بقاع العالم , و لا تسمع إلا قهقهات السياح ظاهرة , لتعبر عن سعادتهم بالوصول إلى هذه العاصمة , فهم يتلذذون بالتعب من أجل أن يحوزوا على نظرة لتلك المعالم المهمة .

في باريس …و في طوابير الانتظار , تجد مجموعات سياحية , شباب و فتيات , كهول و عجائز , ابتسامات و نظرات , أحاديث و ضحكات . و كل مظاهر الفرح تتبخر إن أطلت عليهم الشمس بأشعتها الحمراء , و كل ذلك يزول عندما يطول الانتظار , فتبدأ حالة التململ ظاهرة للعيان , حيث يبدء السائح بالوقوف على قدم واحدة , ثم يستبدلها بالأخرى , ثم يبحث عما يتكأ عليه , هكذا حتى تتحول المتعة إلى مشقة , و المشقة هي سبيل الحصول على المتعة .

في باريس …أمامك هرم زجاجي تبدو صورته من بعيد كبلورة براقة ,  أو جوهرة ملقية على الأرض , فعندما تشاهد هذا المنظر فتأكد أنك أمام متحف اللوفر , أو لعلي أصفه بشكل أفضل , فأنت أمام قصور و متاحف و حدائق اللوفر و توابعه . و لكن قد تجد شيئاً مميزاً أكثر عن غيره , ففي داخل المتحف سوف تجد زائري المعرض يقفون الوقت الطويل أمام لوحة الموناليزا .يتأملونها و يدققون النظر إليها . و كأنهم بفعلهم هذا يريدون أن يعيدوا القصة التي تحكي أصل رسم تلك الرسمة . حيث يقال أن الفنان دفينشي رسم تلك اللوحة خلال أربعة سنوات , فكان يماطل تلك الفتاة المسكينة ” الجيوكندا ” في استكمال رسمتها . و ذلك لينعم كل يوم برؤيتها , فمن يرى تلك الجوع تقف و تتأمل فيصل إلى إعتقاد أن زائري المتحف يريدون أن يتحققوا من صواب اختيار دفينشي لتلك الجميلة .المعرض للأسف لم أزره , و ذلك لأنه يحتاج إلى وقت لا يسعه برنامجي . فمن كان يريد زيارته فاليكن التخطيط هو طريقه للتمتع باستطلاع محتوياته . و أيضاً أقدم عذري للجيوكندا أنني لم أقف على صورتها و أتأمل ابتسامتها و التي هي سبب شهرتها . فكما قيل إن اللوحة لم تعرف ابتسامتها , هل كانت بمشروع البدء بابتسامة ؟ ! أم إنتهت للتو من ابتسامة!! و قيل غير ذلك …قيل أن الرسام كان يأتي لها بفرقة موسيقية ليعزف لها ألحان تعشقها ليظهر وجهها بأفضل صورة يمكن أن يرسمها . و قيل أنها كانت حامل في شهرها الأخير و ذلك سبب ابتسامتها الصافية , لم أتحقق من كل تلك الروايات , فلست خبير ابتسامات , أو عازف في تلك الفرقة , أو طبيب نساء و ولادة فأسمع عن تلك الأشعاة , و لكن يهمني شي واحدة فقط , و هو أنني أتمنى أن أكون قد وفقت أن أنزل السعادة إلى قلوبكم عبر هذه الوقفات .

في باريس …نلقاكم بإذن الله تعالى في حلقة جديدة…

نسيم نجد

naseemnajd.com

 

  

 

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

700إحداثية لمعالم ومزارات وحدائق وأسواق الدول التالية : تركيا – فرنسا – سويسرا – النمسا – إيطاليا -ألمانيا

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها السادة هذه مجموع الموضوعات التي …

6 تعليقات

  1. إيمـــا..,,

    لك كل الشكر اخوي ع الوقفه الباريسيه الرائعه

    خلاص ما يحتاي ازورها
    لأنك خذتنا بجوله فيها^^

    تسلم يمناك ع الوقفه
    و نترقب و قفات جديده من جداك
    بإذن الله

  2. أختي الفاضلة / إيمـــا
    حياك الله في هذه الوقفات الباريسية
    وسرني أن حازت على إعجابك ..
    هل أعجبتك ؟! إنتظري حلقة أوحلقتين لتري بقية القصور و المعالم الباريسية لتحكمي على عاصمة النور بالحكم الأخير …
    بارك الله فيكم و جزاكم الله خيراً على جميل مروركم

  3. باريسيات الأولى والأخرى مليئة بالتفاصيل الشيقة التي تجعل القاريء كأنما يتجوّل في طرقها أو ينظر عن قريب إلى معالمها ويرقب مسالك الناس فيها .

    راقت لي كثيرا عددٌ من الإيماءات الثقافية التي أشرت إليها ( الحشمة والحياء , أبعاد الحرية في باريس , تبرير النقص وتحويله إلى كمال لدى المنبهر , السلوك الإيجابي وفي مقابله السلبي لدى السائح الخليجي )

    أعتقد أن رسوخ الهوية والتفكير الناقد ( لا يعني بالضرورة سلبا ) من العدة التي يجب أن يصطحبها السائح أو المسافر لحاجة إلى أي مكان !
    أمر آخر وهو أننا سفراء لديننا وأوطانا , قد لا يلزمنا المشاركة في برامج دينية أو وطنية للتعريف ولو حصل كان أفضل , ولكن يكفي سلوكنا كأفضل دعوة وتعريف ( الالتزام بأخلاقيات الدين مع الالتزام كذلك بأنظمة البلد المزور ورقي التعامل , الاعتزاز بالهوية والشعائر الدينية , البشاشة , أحسب أنكم من خلال ما قرأت ممن يمثل ذلك باقتدار ..
    أسأل الله أن لا يحرمكم الأجر
    وأن يهدي بسلوككم الطيب خلْقه للدين الحق ..
    نفتقد ريحانة نجد في رحلاتكم ..
    لعلنا نلتقيها في رحلات أخرى .

    شكرنا العميق لما منحتموه من لحظات ماتعة في القراءة والاطلاع على باريس ..

  4. أختنا الفاضلة / رحيل
    تتبعت و بدقة تعليقكم على التدوين الباريسية …
    و يسعدني أن أرى من يستخلص من بين الحروف الفوائد …برغم أنني أقل ممن تحتوي كتاباته مايذكر من الفوائد..
    و أيضاً أزيد على ملاحظتك بخصوص التمثيل عبر تصرفات السائح ..فأعتقد أن وضع السائح العربي قد تغير عن ذي قبل , و أصبح أكثر و عياً , و أكثر نظرة ثقافية بمايمثله شخصه عندما يتجول حول العالم ..
    لقد أصبح لدينا ثقافة سياحية , فالمسافر يخطط , و ينظم , و يشاهد , و ينتقي مايناسب ..
    و هذا الأمر يكون واضحاً جلياً في الأمكان التي لا تجمع الغث و السمين , و ذلك عندما نشاهد بعض الرحالة العرب في أماكن الطبيعة , أو أماكن مناسبة لهويتنا الأسلامية . فهم يختارون بدقة وجهتم التي تناسب متطلباتنا , و ظهر و بوضوح مسألة تمثيل الفرد لأمته و مدى إنعكاس هذا الأمر على سمعته و سمعة بلده و ديانته …
    و لقد رأيت في ألمانيا و جنيف و زيلامسي ..فتيات سعوديات محجبات حتى الجوارب , و هذه التي اسميها الدعوة الصامتة , فهي أكثر أثراً و نفعاً ..
    أكثر شكري و تقديري لشخصكم الكريم , على جميل ما أفضتم به على هذه المدون ,,
    و نسأل الله أن نكون خيراً مما تظنون و أن يغفر الله لنا ملا تعلمون..
    بارك الله لكم و فيكم

  5. ((أنثـــى الليـــل))

    وااااو بجد يعطيك العافيه ذكرتنــى

    بايام باريس بجد اسلوبك مررره حلو ومشوق::ونتظر المزيد.

  6. عزيزي سليمان

    كم هو رائع سردك لمدينة باريس ،،

    لقد جعلت بداخلى اصرار اكثر ان اقف على كل ما قلته .
    تحياتى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.