ماذا تفعل الفتاة السعودية في مدينة بون الألمانية ( 12 )

مدينة بون الخلابة

مدينة بون الألمانية مدينة حالمة من مدن ألمانيا الاتحادية  , مدينة صغيرة يخترقها نهر عظيم , وتنتشر من حولها القرى الصغيرة , و الجبال الشاهقة , و البحيرات المتناثرة في طبيعة زاهية  , تغطيها سماء صافية لم أشاهدها بحياتي السياحية القصيرة  , لم أكن أعلم من قبل أن للسماء هذا اللون , و أن للهواء هذا النقاء , و أن للسحاب هذا الصفاء  , أمطارها غزيرة , أشجارها وفيرة , طيورها مغردة , بلد و لا أحلى , و مدينة ولا أجمل  .

عندما تتقدم إليها تلحظ من بعيد ذلك العلم الذي يرفرف فوق تلك القلعة التاريخية القديمة , و التي تطل على المنطقة بكاملها , و أعتذر عن عدم معرفتي لأسم تلك القلعة لأن اهتمامامي بالصخور و الحصيان يساوي الصفر أو أقل ,  بل أن عندي حساسية شديدة لعلم الآثار أشد من الحساسية التي تهبط على سكان الجزيرة العربية وقت لقاح النخيل أو انتشار الغبار عبر الأثير , لذا اقبلوها مني قليلة الدسم  خالية من المعلومات, و عندما أشاهد مثل هذا البرج الأثري تعود بي الذاكرتي إلى رحلتي لمصر عندما امتطيت صهوة جواد  ,  حتى أستمتع برحلة سياحية حول الأهرامات  , ذلك المكان الذي يأتيه الناس من كل فج عميق , يجذبهم و يستميلهم بعمقه التاريخي , ركبت الحصان و أخذ رأسي يتراقص من فوق الفرس  , وأرجلي قد تدليتا من أعلى حتى كادتا أن تخطا بالأرض  , بل تمنيت أن يقوم السايس بربط رجلي من أسفل الفرس على شكل و ردة كما تربط علب الحلويات أو الهدايا المعلبة , أتطلع إلى الناس من الأعلى يتفرجون و يبحثون و يسألون عن كل جزئية صغيرة أو كبيرة في اهتمام واضح و جلي ,  الناس كلهم ينظرون جهة اليمن ناحية الهرم الأكبر باهتمام بالغ , أما أنا فأنظر جهة اليسار لمنظر شدني أكثر من مما قامت به عائلة الفراعنة بأجمعها , إنه منظر الرمال المتجمعة , مشكلة كثبان رملية متناثرة ” أطعوس ” في تحدي بين قوة الإنسان و قوة الطبيعة البكر  , إنني في مثل هذه المواقف أعود إلى طبيعة أبن الجزيرة , الذي يتغنى بالصحراء القاحلة و الشمس المحرقة , و يتندر بالتيس اللعوب و العنز الحلوب  , و لكن الغريب في أثناء هذه الرحلة في الفيافي المصرية أن المرشد السياحي  , زاده الله علماً إلى علمه  , ما يأس من تكرار الأرقام الكبيرة و الصغير , و المهمة وغير المهمة ,  فالهرم هذا عمره تسع ملايين و سبعين ألف سنة و تسع شهور و يومان و عصرية كاملة , وهذا عمره , لا تكمل ….جملة اعتراضية مني , أمنعه بها من أن يكمل استعراض ذاكرته التاريخية على حساب راحتي و نفسيتي و أكمل و اقول له : فانا لا أهتم بهذه الخرابيط و الحصيان المجمعة , أصاب المرشد السياحي الغضب و الحنق من عدم استجابتي و تفاعلي مع غزير معلوماته , فيقول : يعني إيه خرابيط  , و يطوي فينفسه أن الأمر جد خطير و أن أثبات الذات مهم ,فيمر بنا على جماعة الفراعة كلهم ,  أغنع تف , أغنع أوف , أغنع جف وأخنع صف , غنع توت , غنع سن كويك , حمولة طيبة من الفراعنة المعتبرين , و يتبع المرشد بقوله : أنت تعرف أيش السر ببقاء الفراعنة حتى هذا الوقت و لم يتغيروا  , أنا : صراحة مأعرف ولا ودي أعرف  , إزي ماتعرفش لازم تعرف  , حقولك , قل… التعب عليك , أخذ يقول ما يعلم ومالا يعلم , و كأنه يقرأ من كتاب مفتوح , أتوقع لو سخر نفسه لطلب العلم لحصل على جميع الشهادات و مرتبات الشرف بالعالم , و ستمر بالشرح ثم يقول : ياباشا بص يمين  , وتأبى فطرتي إلى أن تغازل تلك الرمال و الطعوس جهة اليسار ,  أعذروني على جهلي و عدم حبي لهذه الأشياء  , و ادعوا لي بالثبات

ونعود إلى قلعتنا عندما أجتمع بعض الصحب العرب في منطقة بون سألوني هل قمت بزيارة القلعة , كان ردي تلقائي و بلهجة محلية , وشو له , تبحلقت حولي العيون , وتسمرت الأجسام , وأرغوا و أزبدوا , وكادوا أن يقتلونني , لولا أن الله حفظني بحفظة , الكلمات تتطاير من كل جهة تدل على التأنيب , و قلة الحساس , فتوقعت من خلال الشدة باللهجة  أن السائح لابد أن يمر عليها , أو أن يكون قد ارتكب جريمة في حق الإنسانية  , قلت لهم دعوني أكمل , قالوا تفضل , أنا أردت أن أقول لكم : وشوله الواحد جاي لألمانيا إلا علشان هذه القلعة , فتم انعكاس بالموقف وتبعه انعكاس بالقبول منهم _ وش إن سوي نبي الستر منهم _ خرجت منهم أجر خطاي  , حتى أتخلص من هذا الحمل العظيم , صعدت إلى أول الطريق المؤدي إلى القمة  , سولت لي نفسي أن أعود , و ماهي إلا لحظات و تذكرت تأنيبهم وتقريعهم لي حتى آثرت السلامة و استسلمت للأمر الواقع , ثم وجدت عذراً آخر و قلت لنفسي , نصعد إلى أعلى من أجل أخواننا السياح العرب , فنزودهم بتقرير عن المكان بالحرف و الصورة  , صورت القلعة من كل جانب , كأني أمضيت كل عمري في تتبع القلاع و الآثار , أوكأني أحد أشهر المصورين العالمين  , أصور من أعلى و من أسفل و من كل الجهات ,  و مع كل لقطة من اللقطات أتمتم بكلمات ” يالله ستر من عندك و أستار من خلقك ” , لدرجة أن بعض اللقطات تتطلب أن يجلس المصور أو أن يقترب من الاستلقاء  , و أثناء أحد هذه اللقطات الاستلقائية  خمنت أن ذاك الألماني ذو الجسم المتين يتمنى أن يمر بقدميه على ظهري الهزيل , ليسمع طقطقة الفقرات للعامود الفقري لظهر المصور مع كل صوت لفلاش الكمرة , و العذر معه حيث أنني استلقيت في الطريق , ومرادي أن ألتقط صورة من أسفل البرج حتى يظهر مع السماء ,  و هو في عجلة من أمره , و أنا أستعرض فنون التصوير أمامه في موقع نسيت فيه نفسي , و نسيت أني قد سددت الطريق , لولا أن تطلعت إلى وجهه لأستشف نظرات الإعجاب بي ,  فرأيته يريد أن يفترسني ,  فقمت من وضع التصوير الإنبطاحي العالمي إلى وضع تصوير الهواة العادي .

لن أزيدكم بالكلام عن تلك القلعة فهي مثل “الحصيان ” القريبة من الدرعية , بل إن الشيء الوحيد الذي أعجبني هو ذلك المطل الذي يطل على المدينة , وتلك الجلسة التي تضعك وكأنك في برج مراقبة , إنه منظر يدعوا للإعجاب و التأمل , عدت من القلعة إلى الساحة المركزية بالمدينة عبر درج ممتد من سفح الجبل إلى المركز و يأخذ اللون الأحمر حتى تصل إلى المركز .

فهناك الباعة في كل مكان , و محلات الفواكه المنتشرة , و المقاهي التي تصف كراسيها على قارعة الطريق و تحت ظلال الأشجار , فتصبح المدينة بكاملها كأنها حديقة مفتوحة  , وعندما تقطع الطريق من جهة مركز البلد متجه للجهة الشرقية من المدينة , فأنت تكون على مقربة من لحديقة المدينة المشهورة . 

ولنا في هذه الحديقة ذكريات مع بعض الصحب من الصعب أن تتجرأ الذاكرة بنسيانها أو تناسيها  , ولازلت أذكر موعدنا في الساعة السادسة و الربع , عندما نخترق تلك الحديقة فنمر بين المسطحات الخضراء و,  الزهور العطرة , و البحيرة الصغيرة , و النافورة التي تتوسطها .
 

و هناك مناظر تشد المرء أول وهلة ثم تتشبث بذاكرته و يصعب عليه أن ينساها , فإن العجب يتملكني على تلك المناظر و التجمعات في تلك الحديقة ,  فحول تلك البحيرة تجتمع مجموعة من النسوة العرب أغلبهن من المتحجبات ومعهن أطفالهن ,  وقد جلست الأم و الأب في جلسة شاعرية يتذكرون السنين الخوالي و أيام الصبا ,  و يتشاكون الغربة و مافيها من الكربة  , كل غارق في آهاته , و همومه , و أفراحه , و أحزانه , و على جانب البحيرة تجد أطفالهم يلاعبون البط المنتشر حول الحديقة في منظر بهيج و عجيب , فمجموعة من صغار البط تمشي خلف أمها , و من خلفهم هؤلاء الأطفال يتابعونهم كأنهم عائلة واحدة …

وفي الجانب الآخر من الحديقة يتواجد مجموعة من النسوة الخليجيات , وقد ذهبن لوسط الحديقة للترفيه عن أنفسهن و أبنائهن في الألعاب المخصصة للأطفال , فالأطفال يلعبون و النساء يتسامرن…
  
وفي الجزء الجنوبي تجد مسطحات خضراء كبيرة, تنتشر فيه الملاعب المخصصة لكرة القدم و الطائرة  , وعندما تلحظ من بعيد تجد ملعبين لكرة القدم ملعب كل من فيه لم يتقيدوا باللبس الخاص بالرياضة ,  فهذا عليه شورت و لم يلبس جزمة ,  وهذا عليه جزمة و يلعب بالبنطلون الرسمي و الجاكيت , و هناك كهل هدت السنين من عمره الكثير يحاول أن يلمس الكورة ولو مرة واحدة ,  هناك طفل صغير أتى مع أبيه يقف في الملعب و قد أصابه الدوار من كثرة ما يتابع هذه الكرة , وهناك الكثير و الكثير من المتناقضات في هذا الملعب كل من في هذا الملعب من العرب و الخليجيين و أغلبهم أتى إلى بون للعلاج…

و من المواقف الطريفة في هذا الملعب , أن أحد اللاعبين من الفريق الألماني المجاور حضر إلينا وهو غاضب , و يرغي و يزبد , ويتكلم علينا بالغة الألمانية التي لا نجيد منا إلا عبارة أو عبارتين على الأكثر ,  ماعدا أحد الشباب ممن يجلسون معنا من الذين يدرسون هناك فهوا يتكلم الألمانية بطلاقة ,  فقلنا له اخبرنا ما أمره , و ما خبره , وماسر غضبه , قال أنه يقول أن أطفالكم قد شربوا المياه الغازية التي أحضرتها معي للشرب بعد اللعب ( غريبة إعييلنا مهب عادتهم ) ,  هدأنا من روعه ,  و قلنا له أن ضنك في غير محله ,  لكن هو مصر على الأمر ,  قلنا له اذهب وتفاهم معهم , تمتم بكلمات لا نعرفها ثم مضى بطريقه ( اتوقع أنه يدعي للعييل إن الله يصلحهم ) أمسكنا بالأبناء وقلنا لهم لماذا اعتديتم على الماء الخاص بالفريق الآخر ,  قالوا : الأطفال ببراءة ” إحنا عطشانين بالحيل و قلنا صعبة نروح لشقة أو السبرماركت قلنا هالموية القريبة أوفق   , بعدين خليه يأخذ أجرنا , والله خوش “, بعد هذا الموقف , وكما هي العادة قبل مغيب الشمس بنصف ساعة , نعود قافلين كلاً إلى شقته ,  و ذلك للاستعداد لصلاة المغرب ومن ثم الاجتماع من بعد الصلاة في غرفتي غرفة العزوبي العربي الوحيد في مدينة بون  , فالذين يجتمعون في الغرفة عددهم ثمان أشخاص , و الغرفة صغيرة فالحل الوحيد أن يجلس بعض الحضور على السرير و البعض الآخر على الأرض حتى يتسنى لنا احتساء القهوة , و الاستمتاع بالتمر و الحلويات التي يحضرها الضيوف مشكورين كتبرع سخي منهم على هذا العزوبي المسكين ,  لعلها تسد رمقه , أو تسكت بعض جوعه في مشهد يدل على التكافل الاجتماعي بين المسلمين  , إنه اجتماع السمر الذي ترتفع فيه القهقهات , و تعلوا فيه الضحكات , و تُسمع فيه الأصوات لكل من يمر بالشارع , ولا تنتهي الجلسة إلا عندما يحين وقت صلات العشاء فنذهب للصلاة , و نعود مرة أخرى إلى الغرفة حيث يبدأ برنامج الألعاب السعودي المشهور بالبالوت , هذه اللعبة التي لا أميز بين و رقها و لا أعرف منها إلا اسمها  , فهذا الشاكوش الورقة الغير مرغوبة , و الهاص , و بنت الديمن بنت السبيت وبنت وبنت و بنت الأجواد كثر, و الغريب !! لا يوجد عجوز كما يوجد شاكوش ,  أو ممكن فيه لكن لأعرفها , لكن أدام الله علي عدم المعرفة بالورقة و العجائز  , على العموم هم يستمرون في لعبهم , و أنا أودعهم لأخرج من غرفتي لأذهب إلى مقهى الإنترنت لأبحث عن مزارات جديدة في عالم السياحة , وعندما أعود في حدود الثانية عشر ليلاً , أجد صحبي قد تغيرت أنفسهم , وتبدلت أمزجتهم , فهم في جدال مستمر عن السبب و المتسبب بفقدان الدور , أو الخروج من لعبة البالوت , بل أنها تصل في بعض الأيام على السب و الشتم ( مكلفين أرواحهم ) , في الختام وش رأيكم بهذا البرنامج السعودي , الصبح سعسعه , والعصر لعب كوره , و المغرب جلسة قهوة , و العشاء لعب بالوت , برنامج مرسوم وفيه استغلال الوقت بالدقيقة و الثانية  , أنا عندي قاعدة في السفر أهم شيء إنك تكون مبسوط حتى لو تنام أربع وعشرين ساعة  , أنت لست ملزم بتطبيق مايناسب الآخرين  , فهو ليس بالمؤكد أنه يناسبك , انبسط على قد إلحافك ….. 

ودمتم برعاية الله
وغداً القريب ألقاكم بمشهد جديد و لقطة أخرى
أخوكم : نسيم نجد
www.naseemnajd.com

روابط بقية الحلقات …

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السادسة

الحلقة السابعة

الحلقة الثامنة

الحلقة التاسعة

الحلقة العاشرة

الحلقة الحادية عشر

الحلقة الثانية عشر

الحلقة الثالثة عشر

الحلقة الرابعة عشر

الحلقة الخامسة عشر

 الحلقة السادسة عشر

الحلقة الأخيرة

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

700إحداثية لمعالم ومزارات وحدائق وأسواق الدول التالية : تركيا – فرنسا – سويسرا – النمسا – إيطاليا -ألمانيا

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها السادة هذه مجموع الموضوعات التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.