ماذا تفعل الفتاة السعودية في شوارع مدينة بون الألمانية ( 15 )

رحلة عبر الريف الهولندي

هولند دولة أوربية جديدة سوف أجمل جوازي بختم زيارتها , إنها رحلتي التي سوف تنطلق من بون إلى اتجاه الأرض المنخفضة , بل لا يمكن أن أسميها رحلة بل هي كشته  لأن الرحلة تطلق على الأشياء المنظمة ,  و هذا يلزمني بعمل أشياء تخل بنفسيتي قبل برنامجي ,  فالنظام الذي حاولت أن أطبقه على أرض أوربا قد أصابني منه الملل , فمن عاش في أرض الفوضى و نعيمها ,  يرفض أن يعيش في أرض النظام و جحيمه , الاستعداد بدأ من ليلة الرحلة فكما تعلمون أن شلتي التي تعرفت عليها في بون يقضون ليلهم عندي في غرفة العزوبي العربي الوحيد في تلك الأرض  , فبرنامجهم يبدأ من بعد المغرب حتى ساعة متأخرة من الليل  , نقضيها بما تحمله نفوسنا من المواقف الطريفة في ذلك اليوم , الآن الساعة الثانية عشر و النصف من بعد منتصف الليل , و لا تبدو عليهم بوادر النوم أو الاستإذان , لحظة ,  لحظة , هناك أحد الموجودين , يفتح فاه لعله يتثاوب و يعلن إنهاء الجلسة , للأسف إنه يعطس على الوضع الصامت , ويقول الحمد لله , أنا قلت في أمان الله  , قال يهديني و يهديكم الله , ثم يتبعها بكلمة  , أنا صحيت بالحيل عقب العطاس , فناجيل الشاي تدور بالغرفة بعدما دارت فناجيل القهوة ولا يبد أن هناك أي بارقة أمل , الآن الساعة الواحدة و عشر دقائق , و الصمت يخيم على جميع أجزاء بون ماعدا غرفة واحدة , و الأنوار تنطفئ في جميع أحياء بون ماعدا غرفة واحدة , النوم يغرق فيه جميع سكان بون ماعدا غرفة واحدة , الشخير يعلوا جميع غرف نوم بون ماعدا غرفة واحدة , الناس يفهمون التلميح في جميع غرف بون ماعدا أشخاص في غرفة واحدة , فجأة  , صوت الجوال , و لا يكاد يسمع رنيه من أحد جوالات الأخوة الزوار , رن رن رن رن رن  , و أنا أقول , يارب يرد , يارب يرد , يارب يرد , تنبه إليه في اللحظة الأخيرة و يحمله بتباطىء عجيب  , إلحق يارجل , يضغط الأخضر ثم يقول : yes ( ذابحته أوربا ) , صوت زوجته يكاد يخرج من جهاز الجوال  , بل تكاد أن ترى لسانها مع سماعة الجوال , و الزوج المسكين , ماغير يقول , طيب , إن شاء الله , طيب , سمي , على أمرك , معقولة مايعرف إلا هالجمل , ثم يقول لو سمحتي , و لا يكمل الجملة ,  يبدو أن الجوال قد أغلق في وجهه  , الضعيف المسكين بعد تسكيره الجوال بوجهه , يناظر للسماعة , ثم يقول : شكلنا تأخرنا على النوم , مع السلامة ( انفرطت السبحه) , جميع الشلة يستأذنون , بعد خروجهم بدأ الاستعداد للرحلة ,  يجب أن نستدعي الحقيبة أم كاروهات , و أغسل جميع ترامس الشاي و القهوة و الفناجيل , استعداداً لرحلة هولندا , الآن الساعة الثانية ليلاً , و موعدي مع المترجم الساعة الرابعة و النصف ,  و يلزمني أن أستيقظ الساعة الرابعة حتى يتسنى لي أن أقوم بعمل الشاي و القهوة و أصلي صلاة الفجر , وضعت رأسي على مخدتي  , وأخذني التفكير برحلة هولندا وكيف أخطط لها ( شفتوا كيف نعمل البرامج السياحية ,  إذا جاء الواحد ينام ) أفكر قبل النوم بالزهور التي اشتهرت بها هولندا  , و أكثر ماعلق في ذهني هي صورة كبيرة في محل حلاقة قريب من بيتنا في بلدتنا  , صورة كبير لحديقة ممتلئة بالورود الملونة بشكل متوازي ,  و عندما أسأل الحلاق أين توجد هذه الصورة يقول في هولندا  خبير سفر هولندا  . أرد عليه أقول إكويس هازا منزر , يقول كسير إكويس بابا , أنت فيه روح هناك  , لا مافيه روح كله صديق أنا كلام هزا مدينة إتهبل , يعني كيف إتهبل  , يعني يعني , بعدين أنا يجي كلام أنت , ثم مايلبث أن يبدأ بقص شعري و تأخذني التأملات و التفكير بأوربا التي لم أزرها و لم أتوقع يوماً من الأيام أني سوف أطوف بأرجاء تلك القارة , عندما تذكرت الحلاق وبلدتنا أصابني الحنين إلى العودة إلى أرضنا و إلى ديارنا وقلت في نفسي ألا تكفي الصور و يستغنى بها عن تعب السفر , على هذا المشهد أغلقت أجفاني و غابت عني جميع المشاهد , حتى دقت الساعة الرابعة  , و أنا أصرخ الحلاق الحلاق , نظرت حولي فلا أجد إلى نفسي و بقايا من بقايا جلسة الأنس الجميلة , فناجيل مبعثرة  , تلفزيوناً يعمل , أغراض تحتاج إلى تنظيم , رأسي في مكان رجلي , و رجلي على مخدتي , ومخدتي نصفها متدلي , و شرشف متعربد تحت ظهري , و ظهر مقوس قد انحسرت عنه ملابسه , و شرابة عالقة في الرجل , و آخرى ساقطة على الأرض  , بوز طويل  , نفس شينة  , يدي قد أصابها التنميل من النوم المعكوس , و رأس قد أصابه الوجع من النوم على ريموت الكنترول الخاص بالتلفزيون , و التلفزيون قد أصاب مسمعي باللجيج من صوته العالي , المنبه يرن في أعلى صوته , و الجوال يؤشر معلناً نهاية البطارية , إنها بقايا من جلسة الأنس الجميلة  ,  مع مثل هذا الوضع أتذكر إن أهم شيء في السفر التنظيم و استغلال الأوقات , جمعت قواي و دفعت نفسي عن السرير و لا أكاد أقدر أن أفتح عيني , جمعت أغراضي ,  حملت حقيبتي أنتظر مرور السائق في الموعد المحدد , الجو قارس , وأسناني لا تكاد تثبت من الارتعاد , لحظات الانتظار دائماً بطيئة  , فقط أنا وعصافير مدينة بون قد استيقظنا في هذه الساعة المبكرة , وبعض المارة من الألمان الذين خرجوا لمزاولة الرياضة , فهذا يهرول , وذلك يركب دراجته وقد غطى رأسه بخوذة الحماية , كل شيء يبدو كصورة ثابتة  , فلا حراك ,  السكون يخيم على المكان , لم يغير ذلك الوضع إلا صوت القطار القادم من بعيد , و يتحول الهدوء على ضجيج , و أحس بانتعاش الحياة ( حياتنا بنيت على الضجيج و الصخب ,  فلا يروق لي أن أكون في مقبرة كبيرة أسمها الحياة )  , من أول الشارع تظهر سيارة السائق بلونها الأحمر الساطع , نعم إنها هي  , يقترب من كثيراً , كالمعتاد يستعمل طريقته المعتادة بالضغط على الفرامل , فتكاد أ
ن تكون الأشياء التي في آخر السيارة في أول السيارة , صباح الخير ياستاذي , صباح النور , ( أذكر أن إنسان عزيز علي  , كان يستعد لزواجه فقال لي , ماهي الكلمات التي تتوقع أن تلقيها زوجتي العزيزة علي في أول أيام حياتي  , قلت له شوف يأخوي , ماعندنا سوى كلمتين صباح الخير و صباح النور و مساء الخير و مساء النور , حتى أن النور سوف يكشح في عينيك ابد الدهر , مثل نور الزينون , قال يعني الكلام ألي في المسلسلات ماراح أسمعه , قلت مثل إيش , قال يعني مثل : ياعمري أنت ياحياتي , يأجمل مافي الوجود , قلت له نعم سوف تسمعها , عندما تريد منك أن تأتي بأغراض أو تحتاج أن تخرج الزبالة  , أو تريد منك أن تذهب بها إلى أهلها , قال عجيب , إذاً ماذا أقول لها  , قل لها ياعمري ياحياتي يأجمل مافي الوجود  , ماراح تروحين لهلك و لا تعتبين البيت , وش رأيكم بالنصيحة  , النصيحة واجبة  , و أهم شيء التفاهم الأسري و الأخلاق )  , بعد صباح النور , اتجهنا مع الطريق الذي يشق حديقة بون الكبيرة , وعبر النهر في الطريق المؤدي إلى مدينة كولون  ,  سبحان الله إن الإنسان يألف ويعشق و يحن للمكان الذي عاش فيه و له فيه بقية من ذكريات  , 

 

 

عندما غادرت بون و نحن في الطريق الطالع , وكانت الشمس ترسل أشعتها من جهة المشرق و كأنها خرجت من الأفق لتودعنا أو لترافقنا في رحلتا , كنت أشاهد كل المعالم و أتذكر كل المواقف رغم أني سوف أذهب لمدة قصيرة إلى هولندا ثم أعود مرة أخرى  , أشاهد كل شيء حتى الأشياء التي كانت لا تلفت انتباهي أصبحت أدقق فيها و تشد كل حواسي , ألقيت نظرة أخيرة قبل أن نتجه إلى الطريق السريع  , ثم تنهدت بتنهدات أخرجتها من صميم صدري , التفت إلى المترجم و الحزن يخيم علي  , قلت له بنبرة حزينة , وبكلمات لا تخرج مني إلا بصعوبة , كم هي جميلة هذه المدينة , فيقول : لكان , قاتل الله البرودة بالأحاسيس ( هالحين أنا ضايق صدري و لا أجد من كلمات التعزية إلا هذه الكلمة التي أصبحت أكرهها كما لم أكره شيئاً من قبل ) . كان الطريق الذي سلكناه إلى هولندا مزدحم جداً فكأنك في وسط البلد  . إن أجمل ما يمكن أن تشاهده في الرحلة إلى هولندا هو الريف الهولندي ,  فمن يسافر إلى هولندا و يصل مباشرة إلى أمستردام عبر الطيران ,  فلم يشاهد أجمل مافي هولندا  , كنت لا أمل من الاستمتاع بتلك المناظر فمزارع البقر التي اشتهرت بها هولندا تجاور الطريق منذ أن خرجنا من جبال ألمانيا ,  فأرض هولندا منبسطة و مثل تلك الأراضي المنبسطة تناسبني فأنا لا أميل للجبال و الأماكن التي تحد من النظر فأنا أريد أن أنطلق ببصري و نفسي و أسبح في فضاء و اسع بلا حدود  , يالها من أماكن تكسب النفس بهجة و سرورا  ,
فالأنهار و القنوات المائية لم تفارقنا طوال الطريق ,  و مزارع الأبقار ترسم لوحة لطالما شاهدتها في المناظر الطبيعية المعلقة ,  و لم تمر علي مثل تلك المناظر و لا بأحلامي السريرية ,

 

 

عندما ترى كوخ من بعيد ,  و تشاهد بجانبه مطحنة هوائية ,  و من حوله نهر جاري ,  و الورود بأشكالها قد زينت ماحول البيت ,  و أرض خضراء و سماء و صفاء ,  وطفلة تنظر من شرفة الدور الثاني فصارت كدمية جميلة أخاذة ساحرة ,  فتأكد أنك في الريف الهولندي , أو عندما تشاهد رجل يركب دراجته و من خلفه كلب صغير يلهث فأعرف أن هذا الرجل في نزهه في ذلك الريف ,  عندما تشاهد كهل و عجوز قد جلسا على كرسي متأرجح يسامرها و تأنس بحديثه عن أيام الشباب ,  فأعلم أن لهما أياماً جميلة في الخوالي بين أشجار و أنهار و أزهار ذلك الريف , إن منظر الريف الهولندي هو الجمال الحقيقي للطبيعة , بل هو الطبيعة بعينها ,  و ليتني سكنت فيه أو قضيت فيه بعضاً من وقتي فكل الأشياء التي اشتهرت بها هولندا تجدها في مزرعة واحدة  ,

 ( لا أخفيكم عندما تفاجئني مثل تلك المناظر أصمت قليلاً  , ثم أقول , اللهم أرزقنا الجنة , إذا كانت هذه قطعة من زينة الدنيا فكيف بالفردوس الأعلى  , أسأل الله أن يرزقنا و إياكم إيماناً يبلغنا أعلى الجنات , يارب , آمين ) , تمنيت لو أن الطريق يطول ,  فأنا أعلم أني لن أجد في الحضارة الخرسانية مايشد انتباهي مثل هذه المناظر الجميلة , اكتمل قرص الشمس وبان فوق الأرض و أرسل أشعته في كل مكان , وحانت قهوة الشروق , بعدما تعودت عيناي على تلك المناظر  , جذبت حقيبة القهوة لأكمل المتعة العربية ,  و ناولت المترجم كأساً من القهوة العربية و التي عملت بأيادي ماهرة من أصابع نسيم نجد الذهبية  , عندما أرتشف القهوة فكأني أعزف على ناي مشروخ فيكون الصوت عبارة عن صفير و شخير , تأنس بها نفسي و أعلم أنه يضيق بها صدر مترجمي العزيز , و لكن إنما القهوة رشفات تشنف الآذان و تنسى معها الهموم و الأحزان , أما أخي المترجم فيشربها فكأنما يشرب كأساً من الماء البارد  , ثم يتبعها بكلمة القهوة العربية مرة ( أكيد مرة أجل حلوة ) , قلت : للمترجم أين الحدود بين هولندا و ألمانيا قال : لا يوجد حدود  , قلت : التختيم على الجوازات ,  قال : لا يوجد ,  قلت : مصيبة ,  قال : لماذا ؟ ,  قلت : لأنهم لم يختموا على جوازي  , قال : وماهي المصيبة ؟ ,  قلت : عندما أعود إلى بلدي لن يصدقني أصدقائي بأني ذهبت إلى هولندا , ثم تابعت حديثي إليه  , ماعندك واسطة يختم لنا الجوازات ( إن أول الحلول لجميع مشاكلنا تبدأ بالبحث عن واسطة  , و لا نعلم أن جميع مشاكلنا منبعها من الواسطة , ) قال ياريت لكن هذا مستحيل  , إذاً نستسلم للأمر الواقع , سرنا في طريقنا الطويل , و تبقى القليل على العاصمة الهولندية أمستردام

 

 أمستردام أسم جميل لتلك العاصمة , و عندما يجتمع بعض صحبي الذين لا يبلغ أكثرهم سفراً و ترحالاً  , إلا أن وصل إلى مدينة الطائف ,  فجميل أن تقول لهم عندما كنا في أمستردام كان الجو هناك سيئ كنا نستخدم الشمسية لتمنع عنا المطر الذي يهطل علينا بغزارة , و أن الشيء السيء في هولندا هو منظر الخيول التي لا تكاد أتستقر في مكان و احد في مزارع هولندا , و أن الذي يسبب لنا صداع الرأس في تلك المزارع هو خرير الماء من الأنهار أو تغريد الطيورعلى الأشجار , أما عندما تصاب بحساسية بالأنف فتأكد أن أحد الأنواع من عشرات الزهور المنتشرة في كل مكان قد أرسلت رائحتها الزكية في الفضاء فتسببت لك بحساسية في الأنف , وأما أكلهم الذي تجده في المطاعم المفتوحة فبمجرد أن تراه يقوم بشواء مشكلات من الطيور في الهواء الطلق فمن المؤكد أن نفسك سوف تنسد و لن تتقبله , فلا أكاد أنطق بكلمة أمام صاحبي حتى تتسع فتحة فاه من هول مايسمع , فتجده ثاغراً فاه كأنه يعيش في حلم , ثم يتكلم أفصحهم لساناً و يقول : إحلف إن هذه ديرتهم ,  ديرتهم إتهول ورايعه و ياحلالات من سكن فيها ,  قال المثقف منهم بالمختصر الأنقليزي : فنطازتك  , وتمطر علي الأسئلة من كل حدب و صوب ,  كل هذا عند الأنقليزيين , لوسمحتوا هذولا ماهم إنجليز هذولا هولنديين  , طيب أنت تقول أنهم في أوربا و شعورهم شقر و هم بيضان و حريمهم ما يتغطن يعني إنقليزيين , طيب طيب  , إنقليزيين إنقليزيين  , إخوياي هذولا طيبين  , ياحليلهم ) نحن الآن على مشارف أمستردام بل إننا نبحث عن الطريق الذي يؤدي إلى مركز البلد  , 

 

 

عندما تكون في وسط أمستردام إن أول ماتلحظه هناك القنوات النهرية التي تقسم العاصمة إلى أجزاء صغيرة ,  و تكثر و تتوزع في المدينة كما تتوزع الطرق و السكك الحديدة في البلدان
 

 

 ,  لم يتبادر إلى ذهني أن تلك المدينة بهذا الشكل ,  الأكشاش المنتشرة في كافة الطرقات ليس لها عنوان ,  إلا عنوان الزهور ,  المحلات في كافة الطرقات تتزين بالزهور لا أعلم هل هو حب للزهور أو أنه التسويق الذي يجعلهم يبرزونها بتلك الكثرة , وصلنا لمركز البلد ,  المكان مكتظ  , الأشكال فيها من الاختلاف الشيء الكثير  , الجنسيات من كل القارات ,  يختلفون في أشياء كثيرة  , و يجتمعون بلطافتهم و توددهم للزائرين , كدنا أن ننسى الابتسامة في شوارع بون  , ومحلاتها , وعلى النقيض من ذلك هنا  ,  فالكل يريد أن يتحدث معك , و من الممكن أن تكون بجانبه حبيبته و عشيقته و ينصرف بالحدث إليك  , لم أكن أقيم يوماً وزناً للتركيبات الاجتماعية و مدى اختلافها , ولم يتبادر إلى ذهني أن في تلك القارة المتجاورة في الدول اختلافات في العادات و التقاليد و الطبائع بهذا الشكل و ذلك الفارق ,

 

نحن في مركز البلد و نسير , و لا أعرف إلى أين أسير لكن أسير  , رأيت الناس يتجهون من الشمال إلى الجنوب ,  فحدثتني نفسي أنهم يسيرون إلى شيء نفيس  , فتتوق نفسي لرؤيته  , أستعجل الخطى , ويمنعني حب استطلاعي إلا أن يوقفني عند الباعة و المحلات المنتشرة في كل مكان ,  أطالع في كل المحلات بل أنبشها رأساً على عقب  , و أخرج منها لم أشتري منهم شيئاً ( تعلمت طريقة التسوق الجميلة هذه من النساء فهن يقمن بتقليب البضاعة كاملة لكافة المحل ,  و تستأذن من صاحب المحل  , بطلبات متفرقة و أغراض مختلفة  , فهي تطلب جميع المقاسات للأولاد و البنات من الجاكتات و أتي شيرتات و الجزمات , وصاحب المحل , في شغل خذ و هات  , بل تطلب كل ماتعلق في فضاء المحل و كل ماخزن في أرفف المستودع , و عندما يضيق صدر صاحب المحل و ينطلق لسانه يقول: ماذا تريدين و نحن نحضره إليك ؟ , تقول ببرود أريد هيلاهوب أو شراب أزرق فاتح قريب للغامق ,  لأبنتي الصغيرة  , التي سوف ترى النور قريباً , فيتمتم راعي المحل بكلمات غير معروفة  , ثم يزداد غضباً عندما يسمع صوت المرأة نفسها تقول بكل برود : متى تجيبون بضاعة زينه ؟ , فهل عرفتم لماذا تكثر العيادات النفسية ؟ )  , خرجت من ذاك المحل و صاحبه يودعنا بابتسامة عريضة  , انتقلت إلى المحل الذي بعده فهو عبارة عن وجبات سريعة يأخذها المارة على عجل ,  و اطلعت عليها عن كثف حباً لتلقي المعلومات من مصادرها و لم يكن هناك نية أن آكل و أن أمشي في طريق مقتض  , أشد ماشدني فيه هو نوعية البطاطس المقلي  , و لم يشدني عبثاً بل لأن أحد السواح العرب عندما سألته عن أبرز أماكن السياحة في هولندا ,  ذكر لي أن الذي سوف يشد انتباهك هو البقر و كثرتها ,  و السياكل بأنواعها ,  و البطاطس بشكله الغريب , ليس الغريب البطاطس بل الغريب أن هذا المسافر الكريم قد جاب الدنيا بطولها و عرضها , و كانت تلك الأماكن المشهورة بالنسبة له , صحيح أن الناس مشارب , قلت له عندما أريد أن أشاهد البقر أذهب إلى مدينة الخرج و مزارعها المشهورة بالبقر و ليس إلى أقصى الدنيا  , قال : لا هناك بقر صح , وهل البقر الذي عندنا بقر غلط , هنا تختلف عندي مقاييس الصح و الغلط ,  فما أدري هل البقر صح أو السائح غلط , وقال إن لم يعجبك فاستمتع بمنظر السياكل المتنوعة  , بل أن عندهم أدوار متعددة لمواقف السياكل , ويستخدمونها لدرجة الجنون , ( مأدري شكله ماراح لهولندا  , شكله رايح لبنقلادش ) , و ختمها بكلمة لا يفوتك البطاطس  , أنا قلت له البطا , طس , كخاتمة جيدة مع هذا الخبير السياحي الفذ , تنقلنا بين شوارع العاصمة الهولندية  , و بين قنواتها المائية ,  و مبانيها التاريخية ,  و لا أظن أن يمر سائح دون أن يمر بتلك الساحة الكبيرة و التي تنتشر فيها القصور العريقة و يتوسطها ذلك النصب التذكاري لانتصاراتهم في الحرب العالمية , 

 

 

و تنتشر في هذه الساحة الكثير من المهرجين و تقام فيها المهرجانات المختلفة

 

 

 

و يتفرع من تلك الساحة الطرق المتوازية و كل طريق من هذه الطرق له طابعه الخاص بل يتنوع الرواد على حسب مقاصدهم فتلك شوارع الخنا و الحانات و المراقص و ذلك شارع و وكر للمخدرات و المتعاطين ,  فهم يتبادلونها بمباركة رسمية من الدولة كحرية شخصية تحترم و تصان و تحفظ حقوقهم  ,  و غيرها من الشوارع و المناظر التي تذكرك بنعمة الإسلام  , لا يهمني كيف كانت شوارعهم أو قنواتهم المائية أو كيف ستكون  , المهم أني أضفت دولة جديدة في دفاتري الشخصية  , و سجلت ذكريات جميلة عن دولة شغلت بالي كثيراً  ,  و تنعمت بمشاهدات الريف الجميل  , فمن زار هولندا و لم يطلع على ريفها فهو لم يزرها , في الختام : لا أحمل في قلبي الكثير من الحب لمدينة أمستردام و أحتفظ بالشوق الكثير للريف الهولندي
 ,

و إلى اللقاء إن شاء الله
وغدا” القريب ألقاكم بمشهد جديد و لقطة أخرى
أخوكم  : نسيم نجد
www.naseemnajd.com

روابط بقية الحلقات …

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السادسة

الحلقة السابعة

الحلقة الثامنة

الحلقة التاسعة

الحلقة العاشرة

الحلقة الحادية عشر

الحلقة الثانية عشر

الحلقة الثالثة عشر

الحلقة الرابعة عشر

الحلقة الخامسة عشر

 الحلقة السادسة عشر

الحلقة الأخيرة

عن سليمان الصقير

محب للسفر والترحال : مؤلفاتي : 1- 800 خطوة لرحلة سياحية ممتعة 2- 150 طريقة ليصل برك بأمك 3- أمي أنتِ جنتي 4- بنيتي لكِ حبي 5- مذكرات مدمن إنترنت

شاهد أيضاً

700إحداثية لمعالم ومزارات وحدائق وأسواق الدول التالية : تركيا – فرنسا – سويسرا – النمسا – إيطاليا -ألمانيا

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها السادة هذه مجموع الموضوعات التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *